|
بينما بدأ الجيش الباكستاني هجوماً واسعاً على وزيرستان الجنوبيّة، يحتدم النقاش في الولايات المتحدة حول مستقبل الحرب في أفغانستان. فالعديد من المحللين يُقيمون المقارنة مع التورّط الاميركي في فيتنام. وعلى الأرض تواجه الجيوش الأجنبيّة عدوّاً يُبدي، إلى جانب بلاغة لغته الدينية المنمقة، واقعيةً مدهشة، سواء على مستوى الخطط التكتيكيّة العسكريّة أو السياسية.
من تقاتل الولايات المتحدة؟ أهُم رجالٌ من الفضاء الخارجيّ؟ يبدو رالف بيترز متيقّناً من ذلك. فهذا الكولونيل الأميركي المتقاعد، ذو النزعة الجدليّة، يخشى أن يكون الطالبان مخلوقات متوحّشة "يفضّلون أنماط عيشهم البدائية وطقوسهم عديمة الشفقة"، وقد وفدوا من كوكبٍ آخر. فيمكن تلخيص المعركة ضدّهم على أنّها "صدامٌ مباشر بين حضارتين من مجرّتين مختلفتين. ولا ينفخ بيترز في أبواق النصر. فهو يرى أن الجنود الأميركيين هم في الولايات المتّحدة تحت رحمة وسائل إعلامٍ معادية، وزعماءٍ جهلة وشعبٍ تداعبه فكرة الرخاء والليبراليّة. وهو بذلك يعيد إلى الذاكرة رأي روديارد كيبلنغ، ذاك الأديب البريطاني الذي نبّه بريطانيا الفيكتوريّة إلى أنّ جيوشها سوف تكتسِحها قبائلٌ متوحّشة، وأن أفغانستان هي الأرض التي تموت فيها الامبراطوريّات. هذا الانحراف صوب الغرابة، ردّاً على تعقيدات الحرب، يتجاوز الانقسامات السياسيّة. فـ"صدام الحضارات" الذي تنبّأ به المرحوم صموئيل هنتنغتون قد لا يبقى على الموضة في الجامعات، لكن فكرة أنّ الأجانب يشبهوننا (نحن الأميركيين) قد أصبحت باهتة إثر حرب العراق ومشروع السيد جورج والكر بوش الهادف إلى إعادة صياغة العالم على صورة الولايات المتّحدة. فمن الآن وصاعداً، باتت الأراء تميل إلى القول بالاختلاف، ويمكن لهنتغتنون أن يغتبِط في قبره. فبحسب ما صرّح به أحد الجنرالات الأميركيين، فإنّ الولايات المتحدة تخوض اليوم حروباً "حضاريّة" على "هامش الإمبراطوريّة". ومن أجل التدخّل في هذه الأراضي الغريبة، سواء في مهمّات فرض الاستقرار أم في عمليات عسكرية "لإعادة البناء الوطني"، يحاول الجيش أن يستعمل الثقافة كسلاح. فبرنامج البنتاغون "فوق أرض البشر Human Terrain Teams" والكتيّب الجديد عن مكافحة التمرّد FM3-24 [2]، يعيدان اكتشاف تراث الانثروبولوجيا الاستعماريّة؛ ويمكن ملاحظة عودة الاهتمام بأبحاثٍ كلاسيكية حول "الذهنية العربيّة". فتاريخياً كان من شأن بعض الأزمات الامبريالية مثل انتفاضة "السباهي" الهندية (ضد الاستعمار البريطاني) في العام 1857 أن شجّعت على إعادة تحريك علم الأعراق والتقاليد القبليّة. وفي العام 1940، وبعد الحرب ضدّ "شعوب غريبة"، في نيكاراغوا وفي جزر الكاريبي، أصدرت البحرية الأميركية "كتيّب الحروب الصغيرة"، الذي يوصي بدراسة "الخصائص العرقيّة" لدى السكان الأصليين. إنّها إذن ردّة فعلٍ قديمة جدّاً. وقد شكّلت الثقافة ترياقاً ضدّ الصلافة التكنولوجية الأميركية في تسعينات القرن الماضي؛ حين ظنّ بعض الحالمين أنّ الذخائر ذات الدقّة الرفيعة، وتقانات المعلومات والأقمار الصناعية من شأنها أن تطوّر قدرةً على القتل لا مثيل لها، وأن تبدّد شبح الحروب، وأن تجعل هذه القوّة لا تُقهَر. إلاّ أن حرب العراق وانتفاضة حركة طالبان قد أسقطتا فجأةً هذه الأفكار. وبذلك جاءت "الثورة الثقافية" والعودة إلى الهويّة والدم، إلى الأرض والإيمان، كأسسٍ للحروب لكي تطلق إنذار التوقّف أمام هذه الاستيهامات. إلاّ أن النزعة الثقافية، ومثلها النزعة التكنولوجية، قد تُفضي إلى المتاهة. فقد تكون فرضيّة التماثل خطيرةً تماماً مثل التركيز على "الشاذّ"، مثل "الكبرياء" العربيّة أو "الشرف" الإسلامي. والقناعة بأنّنا "نعرف" عدوّنا عن قُرب أو أنّنا سنتوصّل إلى معرفةٍ منتظمة لحضارته يُمكن أن يولّدا ثقةً مخادعة أو خللاً في التحليلات. فمن بإمكانه أن ينسى ذلك الأخصّائي المحنّك في الشؤون الإيرانية، العميل في وكالة المخابرات المركزيّة الأميركية، الذي كان يمتدِح حكومة شاه إيران واستقرار نظامه في العام 1978 قبل ستّة أشهر من الثورة الإسلامية؟ وإذا كان هناك من مكانٍ موصوفٍ في هذه التحليلات على أنّه موئلٌ لعدوٍّ غريبٍ ومتحجّرٍ ثقافيّاً، فإنّه تماماً بؤرة باكستان-أفغانستان. فمنذ العام 2001، لم تنِ الآداب المنمّطة تحيل إلى "مقبرة الإمبراطوريّات" الدائمة. فلقد ابتلعت "أرض الرفات" هذه في الماضي أكثر من محتلّ، من الاسكندر الأكبر حتّى السوفييت. ويرى المعلّقون أنّه ليس بالإمكان فهم حركة طالبان إلاّ بعناصر "غريبة عن الفكر الغربي"، إذ تُختزل الحرب بصدامٍ حضاريٍّ بين فكرٍ ثيوقراطيٍّ بالي وقوّة عظمى ثريّة وفي منتهى الحداثة. هكذا، منذ أن تمّت الإطاحة بحركة طالبان في خريف العام 2001، ما تزال هذه تخوض انتفاضةً يعتبرها الكثيرون انتفاضةً ثقافيّةً قبل كلّ شيء... وإنه لمن المغري أن يوصف الأفغان بأنّهم أسرى تقاليدهم. حيث يؤكّد البعض أن قبائل الباشتون التي تشكّل غالبية حركة طالبان مرتبطةٌ فيما بينها بقانون شرفٍ ثأريّ مؤسّس على روابط الدم. وما تزال مجلة "ذو أيكونوميست" تكرّر لازمتها: "إن الباشتوني، وبمجرّد أن يُمسّ شرفه، مجبرٌ على الانتقام؛ وتلك هي المشكلة بالنسبة إلى الأميركيين ".
أمّا البعض الآخر فيقدّم حركة طالبان على أنّها متصوّفة من عالمٍ آخر. فعندما قطع بعض مقاتلي طالبان مقابلةً تجرى معهم من أجل إقامة الصلاة، حسدهم أحد الصحافيين على "قوّتهم وطهارتهم" وعلى "حسّهم السامي بالسلام، وعزمهم وقربهم من الموت والله، وهي من الميزات النادرة جدّاً في الغرب الحديث". واللازمة واضحة: فحيث نحن استراتيجيون وحداثيّون وسياسيّون، هم بدائيون ومنقطِعون عن العالم. وليس الغربيون وحدهم من يتملّكهم إحساسٌ بالاختلاف الجذري؛ فكما قال أحد المقاتلين الأفغان متباهياً: "الأميركيون عشّاق البيبسي كولا، ونحن عشّاق الموت". عندما سيطرت حركة طالبان على كامل الأراضي تقريباً في العام 1998، في أعقاب الحرب الأهلية، عمدت إلى فرض الشريعة الإسلاميّة بشكلها الصارم والمتزمِّت. وفي بلدٍ لم يسيطر عليه الاسلام المتشدّد إلا نادراً، حرّم النظام الجديد الموسيقى والكحول، وطبّق العقوبات الجسديّة، مثل بتر الأطراف أو الرجم حتّى الموت، ومنع الصور التي يُعتقد بأنّها تسهّل عبادة الأيقونات، وحطّم آلاف القطع الفنيّة ممّا قبل الاسلام في متحف كابُل، ودمّر التماثيل البوذيّة القديمة (وخوصاً في وادي باميان) ولجأ إلى التطهير الإثني للقضاء على الآلاف من "الهزارة" (الشيعة) في مزار شريف، وأعدم مثليي الجنس والمنشقّين سياسياً، وحرمّ على البنات التعليم الرسمي وأنشأ شرطةً دينيةً مكلّفة بضرب النساء اللواتي لا يطبّقن بدقّة قانون الحشمة في الملابس. رجال عصابات من عصر الانترنت إلاّ أن حركة طالبان عرفت كيف تعيد تحديد مبادئها مع التطوّر المطّرد للنزاع؛ وعليه أعادوا النظر في موقفهم من زراعة الخشخاش ليصبحوا بعد سقوط حكمهم هم المدافعون عن دولة المخدّرات وحماة الحياة الريفيّة. وفي "موسى قلعة" ألغوا بعض القيود عن الحياة الاجتماعية، وذلك من أجل كسب تعاطف السكّان، متخلّين على الأخصّ عن إلزام الرجال إطلاق لحاهم أو عن حظر الآلات الموسيقية والسينما. كما أنّهم تراجعوا في موضوع الهجمات الانتحاريّة. فمن قبل، كانوا يؤكّدون أنّ استعمال السترات المحشوّة بالمتفجّرات هو عملٌ جبان وعارٍ على الإسلام. أمّا الآن، فقد باتوا يلجؤون إلى هذه الوسيلة، ويعطي زعماؤهم تأويلات جديدة للقرآن بما يسمح بتبريرها، مستشهِدين بقصص الشهداء الطوعيين في أحد الجيوش الاسلامية في القرن السابع عشر. وفي الحرب الإعلامية تكيّفت حركة طالبان مع سلطة وسائل الاعلام الحديثة، بسهولة تخطّت كثيراً خصومهم. فهم يجرون المقابلات على التلفزيون، ويوفِدون مندوبين إلى العراق لكي يتآلفوا مع تقنيّات إعداد شرائط الفيديو على طريقة "القاعدة"، ويقلّدون الممارسات الغربية عبر "إيفاد" الصحافيين مع مقاتليهم. عندما كانوا في الحكم، كانوا يقارنون التمثيليّات البشرية بعبادة الأوثان؛ أما اليوم فهم يخرقون المحرّمات حول "فبركة الصور" ويتحوّلون إلى حرب العصابات في زمن الانترنت. وقمّة السخرية أن هذه الحركة التي كانت تحرم الآلات الموسيقية قد باتت تجنّد المغنّين لأهدافٍ دعائية، وتنشر أشرطةً مسجّلة لأغاني تمتدح الشهيد الطالباني، وتدين الكفّار، مقلّدةً أغاني الراب الأميركية. وفي معركتها من أجل كسب رضى الأفغان، اصطنعت حركة طالبان حكومةً بديلة أو "دولة مضادّة"، وهي إمارة أفغانستان الإسلامية". فقد طوّرت أنظمةً مدرسيّة وصحيّة وقضائية موازية، وحتى أنها اعتمدت وسيطاً، بالقرب من قندهار، يمكن للسكّان أن يقدّموا شكاويهم عنده. كما أنّها تحاول الحدّ من عمل ميليشياتها الخاصّة عبر قواعد سلوكٍ تلغي الهجمات على المساكن والسرقة والنهب. ومن أجل محاربة التحالف الذي يقوده الأميركيون، يدرسون قواعد مكافحة التمرّد الغربية، إضافة إلى تداعياتها على القلوب والأذهان. فالاشتباك الاستراتيجي مع العدوّ يكتسب الأهمّية نفسها التي تكتسبها التقاليد المصونة. وإذا كانت حركة التمرّد الأفغانية تملك قاعدةً إثنية ضمن الجماعات الباشتونية، فهي ليست محصورةً فيها. فلقد تزعزعت الولاءات القبلية التقليدية، وتحوّلت على أثر ظهور "التنظيمات" (نوع من "الأحزاب السياسيّة" أو التجمّعات) وكذلك "القوم" (مجموعات تضامنية أو انتماءات مشتركة من عدّة أطراف على الصعيد الإقليمي، تضمّ مذاهب دينيّة وتحالفات بحكم الواقع). حركة طالبان نفسها لا تعمل إلاّ وفق النمط القبليّ. فقيادتها تضمّ أعضاءاً من قبائل درّاني وغلزاي؛ وتجمع حركتها بين مجموعات متنافسة ومن ضمنها الهزاره (الشيعية) المهمّشة في مقاطعة غزني. وقد انضم إليها الكثير من رجال الدين الطاجيك والأوزبك؛ ولها خطوط تموين واتّصالات مع مناطقٍ هي في غالبيّتها من الأقلّيات غير الباشتونية؛ وتجنّد حتّى من أماكنٍ أبعد من تلك الواقعة تحت سيطرتها. إذن، حركة طالبان تكره ما ترى فيه عناصر هدّامة في الحداثة؛ لكنّها تريد أن تستفيد من المنافع التي توفّرها لها تقاناتها. هكذا يبشّر الطالبان بالتقاليد والسنّة، لكنّهم يمارسون التغيير. لدى تنظيم القاعدة أيضاً مفارقةٌ مماثلة. فالصورة المكوّنة عنه أنّه من بقايا العصور الوسطى، مع حلمه بإعادة إقامة الخلافة الإسلامية أو الحنين إلى الأندلس التي سقطت في العام 1492؛ أو على أنّه فعالية استراتيجية تستعمل القوّة كهدفٍ بحدّ ذاته، وهو لا يعلن الحرب كأداةً سياسية، بل إنّه يعمَد إلى تكوين مشهدٍ من الأهوال. إلا أنّ القاعدة آتية من سوقٍ عالمية للأفكار والتقانات. فهي كشبكةٍ، تناضل من أجل التحكّم بأتباعٍ شرسين ومتزمّتين يستثيرون الشعوب الإسلامية من الجزائر إلى العراق؛ لكن لا يمكن اختزالها أبداً في حركةٍ ممّا قبل الحداثة أو كمجرّد حركةٍ عدميّة. ففي بياناتها مبادئٌ استراتيجية كلاسيكيّة. وأسامة بن لادن، عندما أعلن الحرب على الولايات المتحدة قد برّر استراتيجيته لحرب العصابات ليس فقط كتعبيرٍ عن العنف المقدّس، بل كأسلوبٍ ضروريّ لسد ثغرة "انعدام توازن القوى". وينوي المنظّر الرئيسي لتنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، أن يترجِم أعمال العنف إلى نتائج سياسيّة؛ وقد كتب أن العمليات الناجحة ضدّ أعداء الاسلام لن يكون لها فائدة إن لم تُساعد في إقامة "أمّة الاسلام في قلب العالم الإسلامي". أعضاء تنظيم القاعدة بعيدون إذاً عن الدعوة إلى العنف كهدفٍ بحدّ ذاته؛ فقد تركوا في مخابئهم في "تورا بورا" نُسَخاً عليها ملاحظاتهم من كتاب "حول الحرب" للمنظّر البروسي كارل فون كلاوزفيتز. تتكيّف القاعدة إذاً مع أفكار الكفار، وتغصّ معسكراتها التدريبية بالكتب المنشورة في الغرب. وهي تسرق كتيّبات التدريب الغربية، وكتب اليساريين الثوريين، وتتحدّث عن المبدأ المعاصر لـ"حرب الجيل الرابع"، وعن نظرية "الأطوار الثلاثة" في حرب العصابات لماو تسي تونغ. وهي تُماهي بين المعتقدات الدينية والفكر الاستراتيجي الكلاسيكيّ المعاصر. أمّا الاهتمام المستجدّ بالآفاق الاجتماعية في المجتمعات الأجنبية، فقد ساعد الجيش الأميركي على إصلاح نفسه ليصبح أكثر فعاليةً وأكثر إنسانية. فمن المستحسن الاستعداد لمواجهة الأوضاع التي تنجم عن حروب التمرّد أو النزاعات الطائفية أو عن انهيار الدولة. لكن، ولو كان بالامكان التعاطي مع الثقافة عبر العديد من المستويات المعقدة، فإنّ الكلمة ستبقى دائماً مثيرةٌ للقلق. ربما لن يكون بإمكاننا أن نمحو الشرق الأسطوري من أذهاننا، فهو مثل الخوف من الموت واللون الأسود، من القوّة لدرجة أنّه لا يمكن استئصاله كلّياً. لكن طبيعة حركة طالبان وتنظيم القاعدة المطواعة والهجينة، تبرهن أن الحرب تجمّع بقدر ما تستقطِب. فما من حضارةٍ، مهما كانت غريبة، تشكّل جزيرةً بحدِّ ذاتها. * أخصّائي في المسائل الدفاعيّة في الكلّية الملكية في لندن، من مؤلّفاته: Military Orientalism : Eastern War through Western Eyes (Columbia University Press & Hurst, 2009).
|