الإعلان
الإعلان
الحروب الخفية في اليمن و مخاطر انهيار الدولة / بيار بيرنان
 
تشهد منطقة صعدة في شمال غرب اليمن، بعيداً عن الأنظار الخارجيّة وليس بعيداً عن الحدود السعودية، نزاعاً عنيفاً منذ حزيران/يونيو 2004 . وتتواجه هناك حكومة صنعاء مع جماعةٍ متمردة، هم "الحوثيّون" بقيادة النائب السابق حسين الحوثي، وقد خلفه بعد وفاته في أيلول/سبتمبر 2004، شقيقه الأصغر عبد الملك الحوثي. وبالرغم من إعلان وقف لاطلاق النار في تموز/يوليو 2008، استؤنفت المعارك في منتصف آب/أغسطس 2009. لكن هذا النزاع لا يحظى أبداً بالاهتمام الكافي، سواء لجهة طول أمده ودرجة العنف الذي يتّسم بها، ولتسبّبه بعشرات الآلاف من الضحايا والمهجّرين، ولمخاطر تتالي الارتدادات في منطقةٍ هي أيضاً أراضي القبائل الرئيسية في البلاد.
 

يرتكِز التمرّد "الحوثي" على الهويّة الدينيّة الزيديّة؛ وهي طائفةٌ من الإسلام الشيعي تقيم في المناطق الجبلية في اليمن، لكنّها تختلف بوضوحٍ في عقيدتها عن الشيعة الاثني عشرية المهيمنة على الساحة في ايران . ويشكّل الزيديون ثلث السكان ويصنّفون عن حقّ بين "المعتدلين" لجهة الشريعة والعقيدة؛ وهم جزءٌ من تاريخ اليمن الخاص؛ ويتشاركون في جزءٍ واسع من اجتهادهم الديني مع المسلمين السنّة أصحاب المذهب الشافعي ، وهم غالبيّة سكان اليمن.

تتّهم الحكومة حركة التمرّد بالسعي الى إعادة الإمامة الزيدية السابقة التي كانت تسيطر على البلاد حتّى العام 1962، سنة الثورة الجمهورية التي شكّلت مدخلاً لحربٍ أهليّةٍ طويلة ساندت فيها السعودية الملكيين، بينما أرسلت مصر جمال عبد الناصر قوّاتها لدعم الجمهوريين. وكان الأئمة من "السادة"، من سلالة النبي محمد (ص)؛ وهي الفئة التي ينتمي إليها أيضاً الأخوان الحوثيّان.

وتؤكّد السلطات بأنّ "الحوثيّين" يتلقّون الدعم من إيران ويشاركون، مع حزب الله اللبناني، في إقامة "الهلال الشيعي" عبر الشرق الأوسط. ويهدف إبراز هذا التدخّل الخارجي الحصول على دعم السلطة السعودية القلقة من النفوذ المتزايد لمنافستها الإيرانية. وينكر قادة "الحوثيين" هذه الادعاءات مُعلنين ولاءهم للجمهورية، ومؤكّدين على إرادتهم فقط المحافظة على الهويّة الدينيّة الزيدية، إذ يعتبرونها مهدّدة من الوهابيّة أو من السلفية الإسلاميّة السنيّة المتشدّدة.

ومنطقة "صعدة" التي شهدت الولادة التاريخية للزيديين، كانت قد بقيت، من جهةٍ أخرى، آخر معاقل الملكيين خلال الحرب الأهلية في الستينات؛ ولهذا السبب بقيت طويلاً على هامش سياسات التنمية التي قامت بها الحكومات الجمهورية المتعاقبة. ويندرج بروز التيار "الحوثي" ضمن حركة التجدّد الزيديّة التي بدأت في الثمانينات حول عددٍ من المدارس ودور النشر ودور العبادة حول صعدة، وفي بعض مناطق العاصمة صنعاء.

ومع أن غالبيّة النخب السياسية، بمن فيهم الرئيس علي عبدالله صالح، تتحدّر من أصولٍ زيديّة، فإن حركة التجديد هذه تبقى أقلّويّة. هكذا، وفيما يشدّد "الحوثيون" على خصوصيّات هويتهم بالنسبة للشرع الاسلامي أو الشعائر الدينية، فإنّ غالبية السكان (حتّى هؤلاء الذين ينتمون إلى الزيدية) يسلكون طريق توحيد الهويّة الدينيّة الإسلاميّة الذي يشجّع عليه النظام التربوي والدولة الجمهورية. لذا، فإن التعارض السني/الشيعي قد فقد أهميّته، ولا يحدّد سوى بصورة هامشية المسارات والانتماءات السياسية.

لا يمنع تلاقي الهويات الدينية هذا تنديد التيار السلفي بالزيديين بشكلٍ متصاعد؛ فهذا التيّار هو الحليف الظرفي للسلطة. فضمن إطار نزاع صعدة، تتصاعد التوتّرات ويُخشى أن تتحوّل الحرب إلى مواجهةٍ مذهبية. هكذا، نقلت بعض وسائل الاعلام، في نهاية شهر آب/أغسطس 2009، أخبار مواجهات أوقعت عدّة قتلى  بين "الحوثيين" وطلاّب مدرسة "دار الحديث" السلفية التي أسّسها مقبل الوادعي مطلع الثمانينات. لكن الحوثيين نفوا الخبر على موقعهم الالكتروني. وكان طالبان أجنبيان، بينهما فرنسي، قد لقيا حتفهما، في آذار/مارس 2007، خلال مواجهاتٍ مماثلة.

دورٌ غامضٌ للعربيّة السعودية

تصِف الحكومة هذه المواجهات بأنّها إيديولوجية، بين الجمهوريّة وجماعة دينيّة متطرّفة؛ بينما يعتبرها "الحوثيون" مقاومةً لاضطهادٍ يمارس بحق أقليّةٍ دينية. وفيما يتجاوز الاتهامات المتبادلة وتأكيدات الحكومة اليمنية حول برنامج إعادة إعمارٍ كبيرٍ أطلق العمل به بعد وقف النار في تموز/يوليو 2008، وجزم المتمرّدين بأنّ المعارك والاستفزازات لم تتوقّف أبدا، فإن النزاع يرتبط بعواملٍ عدة تفسّر استمراره وتفاقمه.

فالمعارك المتواصلة منذ العام 2004 بالرغم من وقف إطلاق النار والوساطات، ومنها المفاوضات التي جرت في قطر عام 2007، ترتبِط ببروز مصالحٍ اقتصادية تُضاف إلى نزاعات داخل السلطة. فأحد أبرز التحديات هو السيطرة على تجارة التهريب نحو السعودية وعلى الواجهة المطلّة على البحر الأحمر، التي تسهّل تجارة وقود الديزل والسلاح مع القرن الإفريقي. هكذا يقوم بعض الضبّاط تهريب الأسلحة الموجّهة إلى الجيش، بحيث يتمّ إعادة تصدير قسمٍ منها؛ كما يتمّ من باب المفارقة بيعها إلى المتمرّدين وذلك من خلال الوسطاء النشِطين بقوّة في تلك المنطقة من البلاد.

ويزيد منظور ترقّب خلافة الرئيس علي عبدالله صالح، الموجود في السلطة منذ العام 1978، من حدّة الصراعات داخل النظام؛ لا سيّما بين نجل الرئيس، السيد أحمد علي صالح (قائد القوات الخاصّة والحرس الجمهوري)، وبين قادة آخرين في الجيش. هكذا تحوّلت منطقة صعدة إلى مسرح حربٍ بالواسطة، حيث تسعى فصائلٌ متناحِرة إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية من جهة، وعلى تقديم البرهان، من جهةٍ أخرى، على فعاليّتها على الأرض. ففي آيار/مايو 2008، وبينما كانت رقعة المعارك تتّسِع لتصِل إلى مقاطعة بني حشيش، على بعد 25 كلم إلى الشمال من صنعاء، جرت المقارنة بين تدخّل القوات الخاصّة للمرّة الأولى في المواجهات والنجاح الظاهر الذي أحرزته، وبين فشل ألوية الجيش في محافظة صعدة.

ويرجع تفاقم الصراع أيضاً إلى الدور المتزايد للاعبين القبليين. فمن تجنيد الميليشيات، إلى جانب الحكومة أو "الحوثيين"، حتّى المشروع الحكومي في حزيران/يونيو 2008 بشأن تنظيم "جيشٍ شعبي" يرتكِز على القبائل المحيطة بمحافظة صعدة، دخل النزاع في دوّامةٍ من العنف وأعمال الثأر التي تقوم أساساً على التضامن القبلي. ففي بداية العام 2009، وبينما كانت الحكومة تُنفِق الأموال لصالح إعادة الاعمار، رفضت بعض الجماعات القبلية التي كانت قد تحالفت مع الحكومة قبل أشهرٍ من ذلك، التفاهم مع "الحوثيين" وحاولت الضغط على الحكومة لإقامة الحواجز على الطرقات واحتجاز الرهائن. وفي هذا التداخل "القبلي" البالغ الأهمية ما يدعو إلى إعادة النظر في الخطاب الذي يشدّد على وجود مشروعٍ سياسي لدى "الحوثيين" أو على مواجهة سنيّة/شيعية يديرها بعض المقرّبين من السلطة.

هكذا بات النزاع في صعدة متطابقاً مع المنافسة القديمة بين الاتحادين الرئيسيين للقبائل في مناطق الشمال الجبلية: فبينما تقاتل عشائر "حاشد" إلى جانب القوات الحكومية، تعمَد عدّة قبائل من "بكيل" لمساندة المتمرّدين . هذا ما يفسّر، مع وضع بعض النسبيّة في الموضوع، الاتّساع التدريجي لرقعة القتال أبعد من محافظة صعدة، وخصوصاً إلى مديرية حرف سفيان جنوباً، ليس بعيداً عن معقل "العصيمات"، إحدى أكبر عشائر حاشد. كما يكشف هذا التشابك عمّا تكتنفه هذه الحرب من احتمال زعزعة الأوضاع وخطر اتساعها، من خلال آليات التضامن القبليّة، إلى مناطقٍ أخرى من شمال اليمن، وخصوصاً محافظات الجوف وعمران وحجّة.

وللتدخّل غير البناء من قبل الفرقاء الإقليميين دورٌ أيضاً في احتدام النزاع. ففي العامين 2007-2008، لم تفضِ وساطة قطر وتوقيع اتفاقٍ بين المتحارِبين في الدوحة، إلى النتائج المرجوة. ودفع استئناف المعارك بقطر إلى التراجع وسحب وعودها بالمساهمة المالية في إعادة الإعمار وتنمية منطقة صعدة. أمّا دور الجار السعودي فيبدو على الأقل غامضاً، حتّى أن البعض يتهّم المملكة بتخريب الوساطة القطرية للحدّ من دور الإمارة الصغيرة في دائرة نفوذ السعودية التقليديّة في اليمن. وبينما تعتبر عائلة آل سعود المالكة رسميّاً حرب صعدة نزاعاً داخلياً، يقدِم بعض الأطراف السعوديين على تمويل جهود الحرب اليمنية وبعض الميليشيات القبلية، ما يشجّع على استمرار المعارك.

من جهةٍ أخرى، قدّمت الولايات المتحدة والاتّحاد الأوروبي بطريقةٍ غير مباشرة براءة ذمّة لحكومة صنعاء من خلال تركيزهما المبالغ على مكافحة الإرهاب وعدم مشاركتهما الكافية في البحث عن حلٍّ سلميّ للنزاع. فبينما تتعرّض حكومة علي عبدالله صالح لانتقاد حلفائها وخصوصاً واشنطن، بسبب ضعف التزامها بـ"الحرب العالمية على الارهاب"، يسهُل عليها تصوير التمرّد كجماعةٍ إرهابية، وصولاً أحياناً إلى التأكيد على وجود صلات بينها وبين تنظيم "القاعدة"؛ وهذا ادعاءٌ يفتقِر إلى المصداقية بسبب هويّة "الحوثيين" الزيدية (الشيعية) وانتقادهم للعقيدة السلفية.

لقد أدّت حرب صعدة بعنفها ومفاعيلها التدميريّة إلى المزيد من الإضعاف للسلطة المركزية في مناطق الشمال. ويبدو أنّه من شأن اقتصاد الحرب كما الفلتان الأمنيّ الدائم والقمع، أن يفسحوا المجال أمام ظهور الجماعات الداعية للعنف وبعضها مقرّبٌ من "القاعدة". هكذا، وبالرغم من عدم وضوح الظروف التي حدثت فيها، فإنّ عملية اختطاف أعضاءٍ أجانب في منظّمة غير حكومية تعمل في إحدى مستشفيات صعدة، في حزيران/يونيو 2009، وتصفية ثلاثة من بينهم، تؤشّر على تصاعد هذه الآلية الخطيرة. وبينما أكّدت الحكومة في الأساس مسؤوليّة "الحوثيين" عن الجريمة ، فإن تورّط جماعات سنيّة متطرّفة يبدو أقرب إلى التصديق.

مطلع العام 2009، أعلن ناصر الوحيشي، اليمني الذي قيل أنّه السكرتير السابق لأسامة بن لادن، قيام تنظيم "القاعدة" في الجزيرة العربية من خلال دمج فرعيها السعودي واليمني. هكذا تزايدت، منذ بداية العام 2007، الهجمات المنسوبة إلى جماعات تنتمي إلى "القاعدة"، خصوصاً ضد السفارة الأميركية في أيلول/سبتمبر 2008، وكذلك في صنعاء ومناطق اليمن الجنوبي السابقة، بينما بدت محافظات الشمال لفترةٍ من الزمن في منأى عن هذه العمليات.

من جهةٍ أخرى، يثير توحيد الشمال والجنوب عام 1990، ومنذ العام 2007، اعتراضاً قويّاً في محافظات اليمن الجنوبي السابق، والتي يعتبر سكّانها أنفسهم ضحايا ممارسات تمييزٍ بحقّهم. وتأخذ هذه الاعتراضات نزعةً واضحة نحو عودة الإنقسام، خاصّةً مع ارتفاع وتيرة القمع.

طالما نجح النظام بقيادة علي عبدالله صالح في تكذيب التوقّعات عبر محافظته على بعض الاستقرار . لكن تزايد الأزمات ومشاكل الخلافة ستعرّض توازنه الهشّ للخطر؛ حتّى أنّه يمكن أن يصل الأمر إلى تداعي الدولة مع نتائجٍ لا يمكن حسبانها على المنطقة بمجملها.

 
 
الاربعاء, 04 نوفمبر / تشرين ثان 2009 10:38