الإعلان
الإعلان
نكبة البرامكة/ أبو العباس ولد ابرهام
 

                   " عندما يتقاتل الأغنياء، يموت الفقراء" ، سارتر (الشيطان والإله الطيب).

 

  ثلاثة. كانوا يسيطرون على حركة الأموال والمخازن والعطايا. كانوا ملوك الاحتكار والإعمار. بنوا ووظفوا واستغلوا. خلطوا كل الأعمال: القوة بالاستكانة والخيلاء بالتواضع والجور بالكرم. "كانت دولتهم من أعظم الدول، وهم كانوا نكتة محاسن الدولة وعنوان ملتها". (الوصف هنا لإبن خلدون). كان الوقت لهم: كان وقت البرامكة. في لحظة ما من مزاحمتهم دولة الخليفة و تعاليهم عليه بالأموال والإنفاق وتمالئهم عليه (تعاونوا مع عدوه يحيى ابن عبد الله الطالبي) وجب الهجوم عليهم. تم اقتيادهم إلى سرداب مظلم. وكان ذالك آخر العهد بهم.

 

"إن التحايل لم يبدأ معنا، وبالتالي من المؤكد أنه لن ينتهي بنا."

 دعوني أتساءل أيها السادة: هل انتهى الألم بمعدم البرامكة؟: هل عادت الأموال المستلبة للمواطنين؟ هل انتهى أي شيء كان مستمرا من الإغداق إلى النهب بمحبس يحيى؟ هل زال الترف بضرب عنق جعفر؟ هل انتهى احتكار المداخيل و التحكم في بيت المال بمصرع الفضل؟

 لا، طبعا. استفرد الخليفة بالاحتكار والرغد وأعاد إنتاج "ألف ليلة وليلة" التي ارتبطت منذئذ باسمه. تم توزيع خصائص البرامكة على قادة الجند ووزراء الخليفة الذين تحولوا إلى قادة-أثرياء ( الفضل بن الربيع ويزيد بن مزيد ويحيى بن أكثم والجنرال زفر بن عاصم).

 إذا، دعوني أسألكم هذا السؤال: لماذا كان لزاما قتل البرامكة؟ الجواب: لأنه كان لابد للخليفة من قتلهم. كان لابد من إزاحتهم من أجل لعب دورهم.

 وكان ما كان.

2

خمسة أشياء تؤدي إلى حبس رجال الأعمال واستنزافهم: 1- نظام مهدد بالإفلاس: يعاني من عجز مالي قوي في عامه الرابع؛ 2- تراجع احتمالات التمويل الدولي بفعل عدم ثقة المانحين؛ 3-ضغوط رجال الأعمال المتحالفين والمنافسين للمعتقلين والراغبين في التوسع على حسابهم؛ 4-الشروع في مشاريع إنفاقية كبيرة (على المدى البعيد) والبحث عن ضمانات مالية لها؛ 5- أوتوقراطية النظام الذي انتهى من المعركة السياسية ويريد التوجه نحو المعركة الاقتصادية التي هدفها الإستراتيجي إعادة تطويع السوق الذي بدأ يخرج من الربقة منذ سنوات تراجع النظام لصالح السوق 1994-2009.

 ما إن تتوفر هذه الشروط حتى تشاهد سلسلة أعمال منطقية: اقتياد رجال أعمال للسجن، فرض غرامات كبيرة، محاكمات نفوذ، استنزاف أغنياء الإدارة والعمل العام، زيادة الضرائب والاعتماد على المداخيل الجبائية والاستدانة، نقض حرية السوق (ليس لصالح الدولة المتدخلة وإنما لصالح سوق حر منافس)، وصنع رأسمال صديق بسياسات المحاباة الجبائية.

 عندما تتوفر الشروط تلحقها نتائجها، ولكن النظام يغطيها عادة بهالة غوبلزية في شكل أغاني شبابية من نوع "الحرب على الفساد" أو "إعادة هيبة الدولة" ( الأخيرة هي نفسها هيبتها في الديمقراطية والعدالة والأمن وحقوق الإنسان وحرية الرأي).

 تقرير:  لا يتعلق الأمر بمحاربة الفساد بقدر ما يتعلق بتفادي شبح الإفلاس والضائقة الاقتصادية وتمكين الأصدقاء.

 في جميع العالم الذي خنقت فيه الدولة فإنها قامت بالقفز على رقبة رأس المال الخاص أو اختلقت أزمة معه من أجل التغذي به. لفهم المسألة لا بد من متابعة حياة القطة التي تأكل صغارها في حالة الجوع. هذه القطة بزغت في أزمات اقتصاد الدولة وذهب ضحيتها برامكة العصر: الزايباتسو الكبار في اليابان 1869 والأوليغاركيون الروس في 2002 و تايكونات نيجيريا العظام في 1980-1994. في جميع اللحظات لعب دور القطة قائد عسكري أو متعسكر (الشوغان يوشينوبو، فلاديمير بوتين، الجنرال بابانغيدا، الجنرال أباتشي، الجنرال عزيز).

3

نفتقر إلى إحصائيات مدققة حول قوة رأس المال التجاري المستهدف في عملية "اعتقال رجال الأعمال".  ولكن المؤكد أنه يسيطر على جزء كبير من حمولات الأسطول التجاري، أكثر من ثلث سوق التجهيزات، والأسهم التجارية. ومن المؤكد أنه اللاعب الرئيس في سوق التموين واستيراد البضائع الغذائية. ولقد حددت ممارسته النمط الغذائي الموريتاني منذ عقود. ولقد مكنه هذا من السطوة على العقود التجارية الهامة التي تعهدها الدولة للقطاع الخاص.

 وفي المرحلة التي قرر فيها بيراقراطيو "بريتون وودز" فرض وصفة انسحاب الدولة على الدول النامية -لقاء تمويلات تذهب في التسيير الظرفي- وقف رأس المال التجاري متلقفا كل المتاع الذي ألقته الدولة في تجردها الصوفي من ذاتها: حولته الخصخصة إلى إمبراطورية.

ينافس رأس المال هذا الدولة في صنع التبعية لأنه رأس مال أفقي وليس عمودي: يتبع نزوات وتوجيهات الأسرة المالكة له دون أية محددات سوقية. ولقد جعله هذا سلطة اجتماعية في حد ذاتها واستخدمته الدولة الديكتاتورية المقنعة منذ ما بعد التسعينيات في قمع الثورية الاجتماعية.

تكمن قوة المال التجاري في أنه قادر على الإزعاج وفي تحرره من الدولة المركزية. وهو قادر على التلاعب بالأسعار بألعاب مركانتالية معقدة وبعدم تعجيله حركية الأموال وتدفق البضائع وبإزعاجه دورية التنافس بتفوق رصيده المالي و قدرته الفنية ووضعه الاحتكاري المتكرس عبر عقود كما أن فقدانه كشريك مالي يفقد الدولة رافد ماليا كان يحل مشاكل عدم توفر السيولة.

المفارقة: رأس المال المزعج هذا هو وليد قوة الدولة: النتيجة الحتمية لانسحابها الاقتصادي. وبمعنى من المعاني فإن هذا هو جوهر الصراع اليوم: هل بإمكان فرانكنشتاين الدولة القضاء على وحش الاقتصاد الخاص الذي أنتجه؟

4

لنقدم أولا تاريخا موجزا لعلاقة المال بالسلطة في موريتانيا. كانت الألف عام في ما بعد البافور عصرا خاليا من الدسم. كان الأمير أغنى قليلا من المعوز. مع مطلع القرن الثامن عشر بدأت النخاسة تدر دخلا. عمل الموريتانيون جنبا إلى جنب الأفارقة والأوروبيين في تجارة البشر. أصبح الأمر يحقق ثراءا و تخصصت قبائل في العمل، ولكن المشاعية في الداخل حالت دون تراكم الأموال. وكان لا بد من إعطاء نصيب للغزاة والحماة. في القرن اللاحق ازدهرت تجارة الصمغ واستيراد العصب و السلاح وتطورت القوافل التجارية بحيث بدأ تجار كبار في البزوغ. وفرت الحماية الفرنسية أساسا لتطور رأس المال عندما ألغت مهدداته الأمنية وأنشأت بنية حديثة تسمح بتراكم المال. مع تأسس تلك البنية الضامنة المسماة بالدولة في منتصف القرن الماضي أمكن انطلاق قافلة التراكم.

 تطورت الطبقة الإقتصادية الموريتانية على أربعة طفرات:

كانت الدولة دوما رهينة رأس المال وتوسعه. وللمفارقة فإن ولادة الدولة الموريتانية سوسيولوجيا ارتبطت بميلاد طبقة تستثري من الدولة: تحققت معاني الدولة من الناحية الاجتماعية في بداية السبعينيات عندما بدأت الدولة في توزيع الإمدادات الغذائية للمتضررين من آفات الجفاف. كانت تلك الخطة، المسماة أيضا بالخطة الإستعجالية، هي أول عمل يربط قطاعات الشعب الأغلبية بعمل دولتي مستديم. أقحمت الخطة آلاف البدو الرحل و المزارعين -الذين تمدنوا اضطرارا- في عمل معيشي مرتبط بالدولة. في عملية مولد الدولة هذه قام عشرات رجال الأعمال بالإستثراء عن طريق تخزين المساعدات الغذائية وبيعها بالضعف عندما يتحقق احتكارها. كانت تلك بداية مولد رأس المال الاحتكاري لأنها كانت أيضا ميلاد حركة استهلاكية يومية بفعل التحرك نحو المدينة. كانت هذه مرحلة الإرساء.

 جاءت الطفرة الثانية مع العصر الهيدالي. قام المقدم الصارم بتفعيل الرقابة على الأسعار ومراقبة توزيع المواد الغذائية. تراجعت سطوة رأس المال -الذي كان تجاريا غالبا- أمام الدولة المراقبة، ولكنه قام برد فعل طبيعي: لجأ للاحتكار على المدى البعيد وساعدته النقابوية: الاتفاق البيني بين رجال الأعمال الكبار من أجل تحديد سعر المواد أو إملاءه على الدولة. أصبح الموردون يستوردون موادا غذائية ويحتفظون بها لحين ارتفاع سعرها عالميا أو محليا، فيبدؤون في ضخها في السوق محققين أرباحا سريعة. حقق رأس المال التفاتا على وكلاء مراقبة الأسعار الهيداليين المتجولين بين الحوانيت في بلاهة. وفي لحظات سريعة لجأ رأس المال إلى رشوتهم واستمالهم.

كان الرقيب البدوي مهووسا بأفكار تأميمية وقام بترجمتها إلى مصادرة ممتلكات رجال أعمال يعادونه سياسيا. ولكنه قام ببيع الممتلكات لرجال أعمال أخر فقوى رأس المال الخاص بدل إضعافه عن طريق مساعدته في تحقيق التراكم بشكل أسرع من الطبيعي. وبقدر ما تم تغييب نفوذ رجال الأعمال في نظرية هيدالية بقدر ما تم حضورهم في واقعه: أصبحوا يتحركون من خلال مجالس حكم و كارتللات مالية حصيفة ولكن فعالة.

استمر نمو رأس المال و تضخمه وتغذيه على نفسه بشكل حصيف في مطلع العهد الطائعي. ازدادات صراعات المال فيما بينه في اتجاه التوحد و سيادة العائلات المالية الكبيرة. قام رأس المال التجاري من خلال ما يسمى اقتصاديا قوة السوق بهزيمة فرص التصنيع (مصانع اللبن والبطانيات والمطاط، وتصنيع الحجارة إضافة للمصانع التركيبة (كان من بينها مشروع روماني لتركيب للسيارات) لأنه كان رأس مال استيرادي. واستفاد من هزيمة رأس المال المهاجر في السنغال، والذي تم ضربه في انتكاسة المسفرين1989، وقام بامتصاص الطاقات التجارية العائدة مستفردا بالحسم التجاري.

 جاءت الطفرة الثالثة مع "العصر الديمقراطي": كان مشروع الطايع بعد 1992 هو اكتساب ولاء السوق والقوى التقليدية: قدم للأخيرة فرصا للإستثراء السريع من عملها السياسي المؤيد، أما الأولى فقدم لها إعفاءا ضريبا، فيما فعل القانون الضريبي ضد أعداءه من رجال الأعمال. تم السماح للبرامكة بإقصاء المنافسة عن طريق توفير الأسعار الأفضل مستفيدين من التسهيلات و القدرة الفنية. فُتح خط ساخن بين المتجر والوزارات وامتلأت أروقة السلطة برجال الضغط . وتم اللجوء للمال لحسم القضايا التي وصلت للمحاكم واللجوء للقوة بعد المحاكم لمنع التنفيذ.

كان الطايع حكما حازما بين رجال الأعمال الداعمين، المتناحرين بينهم. وفي عز الإنفتاح الطايعي كان رأس المال المنعوم عليه متنفسا للدولة التي تعاني من مشاكل سوء التسيير والبزوغ المفاجئ للمشاكل الحسابية بفعل عدم دقة توقعات الميزانية وتأخر المداخيل. أصبح المال الخاص يلعب دور المصحح المالي وأصبح الكبار صندوق الدولة. وولد الاقتراض منهم نمط تجارة جديد لا يعتمد على المراباة ولكن على الامتيازات الضغط السياسي: توجيه سياسات الحكومة التجارية والتعاقد الإحتكاري معها.

 

تحالف التجار الكبار من أجل دحر فرص المنافسة عن طريق الإتفاق على تحديد الأسعار وحجم المنتوج المقدم للسوق و توزيع العمل والمساحات التجارية بين المتمالئين. رأس المال المتصادق هذا حافظ على وحدته بالتمالؤ في طلبيات الصفقات وتأسيس وكالات البيع وزاد من مداخيله بإبعاد التنافسية.

تأتي الطفرة الرابعة مع عودة المشروع الأوتوقراطي 2008. أصبح لا بد للدولة من إقصاء رأس المال المناوئ وتقوية بديله المنافس من أجل التحكم في السوق بأياد مغايرة. أصبح لا بد لها من مشاركة رأس المال في أرباحه من أجل معالجة مشاكلها الموازنية . كانت اسثمارات  2007 ثم 2008 والوعود الاستثمارية والوعود الاستثمارية في الأفق هي محفز الدولة الأوتوقراطية (دولة الرجل الواحد وأصدقاءه رجال الأعمال). كان من الخطورة ترك رجال السوق القدماء ينافسون في  المشاريع القادمة إذ كان الأمر يعني تقوية غير مسبوقة. لجأ رجال الأعمال المناوئين للجيش ولجأ الجيش لرجال الأعمال بعد تغلبه.

الذي غاب عن  الجميع هو أن الطفرة الرابعة هي تقوية -وليس تضعيفا- لقطاع الأموال: أعطيت أكبر الصفقات في النظام الجديد " تشييد السجون و"وسط المدينة" بأوامر قيصرية لا علاقة لها بالمناقصات. ومن المؤكد أن المشاريع التنموية المدعومة من الشركاء الأجانب سيتم منحها بمحاباة شبيهة.

في الطفرة الرابعة ستنسحب الدولة من دعمها لقطاعات الإسكان و تحمل النفقات الكهربائية و الوقودية لموظفيها. وصحيح أن هذا يسد الباب على التحايل على دولة النفقات ولكنه يقدم طبقة الموظفين لرأس المال المقاول والعامل في مجال الطاقة الذي سيستفيد من تدفق مال مباشر بدل ديون آخر العام. سيتم أيضا تقوية رأس المال الكبير الصديق بضرب التجار الصغار المنافسين في قطاعات تموين الحكومة والصيد وبيع السيارات.

5

هل بإمكان فرانكنشتاين الدولة القضاء على وحش الاقتصاد الخاص الذي أنتجه؟

في العصر الحديث حدثت نكبة البرامكة من خلال أربعة نماذج يجب أن نستخدمها كمشبك:

1-التأميم: قامت الدولة الثورية بتحجيم رجال الأعمال الكبار (بدون استثناء) من أجل قهر الاستغلال: أعادت السوق لسيطرة الدولة من أجل ضمان المواطن اجتماعيا وصحيا من أجل تحرير قطاعات المجتمع المسحوقة تحت الأقلية المستريحة. تم القيام بخيارات ثورية في روسيا وألبانيا و رومانيا و مصر جعلت رأس المال يهرب إلى أوروبا ويتغرب في تحولية العولمة إلى الأبد أو تركته يذوي في عدالة الدولة الاشتراكية لصالح القطاع العام.

2-تفكيك رأس المال الخاص: حدث الأمر من خلال خوف النظام من رأس المال. المكان: اليابان. الزمان: 1864. الحدث: عودة العسكريين في منتصف القرن التاسع. السلطة المهددة بالشح المالي تفرض غرامات على رجال الأعمال الكبار المعروفين بالزايباتسو (ميتسوي، يوزوكو، ميتسوبيشي، نيسان). كان النظام يعاني وكانت مداخله في تناقص بحيث أصبحت إمكانياته أصغر من طموحه. لم تستطلع الضرائب الكبيرة التعويض عن العجز ، وكل ما فعلته هو أنها زادت من أرباح الزايباتسوات الذين زادوا فارق التعرفة على أسعار الخدمات والبضائع.

عندئذ ، وكما هو طبيعي أراد الشوغان يوشينبو العسكري انتزاع ممتلكات الزايباتسوات. أبرق إلى أربعة موردين كبار بضرورة الدفع. اتهمهم بسرقة الأموال و اقترح بناء بنك مركزي من أموالهم كتعويض. كانت حجته الظاهرة مكافحة الفساد وبناء مصرف وطني ياباني .

من هنا تكمن المفارقة : غرامات الشوغان لم تفض إلى سقوط رجال الأعمال، بل ركزت أموالهم في يد كبارهم: بعد أشهر من الجباية القسرية أعلن رجال الأعمال الثلاثة عن إفلاسهم، فيما استطاع المصرفي ميتستوي النجاة (كان صديق النظام عن طريق المحافظ توكوغاوا المعين له بالمحاباة). وأصبح رجل الأعمال الوحيد في المدينة وبدأ يتوسع ليحل محل الكبار الذين قضا عليهم الشوغان .

بالنهاية، كانت هذه أزمة القائد العسكري لأنه عندما احتاج للمال بعد سنتين لم يجد طبقة رجال الأعمال لينفث فيها معاناته المالية. أجبر على الاستقالة وعاش بقية عمره في حزن.

3- الإستبدال: إن بوتين هو رجل قيصري نشأ في أوتوقراطية الاتحاد السوفيتي ، وهي أوتوقراطية نجد أصلها في السلطة القيصرية: ديكتاتورية لم يتغلب عليها البلاشفة ولا الليبراليون الديمقراطيون بعد سقوط الإتحاد. إن بوتين يبكي من إن انهيار الاتحاد السوفيتي هو اكبر كارثة جيوسياسية ، ولكن الذي ليس تراجع اقتصاد الدولة هو ما يأسى عليه وإنما على سيطرة الدولة على رجال الأعمال. هو لا يعادي اقتصاد السوق وإنما يدعو الى سَوق اقتصاد السوق ، تحول الأمر إلى صراع قوى عندما بدأ ثلاثة رجال أعمال كبار في تحديه : كودوروكوفسكي، غوسينكي، وبرزوفسكي.

لاعب الشطرنج الروسي لجأ الى بيادقه في العدالة وقام بفتح ملفات فساد ضد منافسيه. ثم اتهام كودوروكوفسكي وصحبه بالرشوة والاستثراء الغير مشروع ، وانتزاعت منهم الملايين. أُعلنت شركة يوكوس مفلسة. هرب غوسينكي، وبرزوفسكي إلى لندن. فيما رمي كودوروفسكي في السجن. (أنهى للتو كتابة كتاب مهم حول عودة اليسار للسياسية الدولية).

استمرت العملية. خسرت روسيا أكثر من 30 بليونيرا. ولكنها لم تتحول إلى اقتصاد دولة، للمفارقة. تكدست الأموال في أيدي رجال الأعمال المؤيدين. أصبح رجل الأعمال ألكسندر ليبيديف، صديق بوتين، أغنى رجل في روسيا، ورقم ثلاثين عالميا. وأصبحت موسكو أغلى عاصمة في تاريخ الإنسان. ازدادت الفوارق بين الأغنياء والفقراء فيما بوتين يقول إنه رئيس الفقراء (قال إنه أغنى رجل في العالم من حب المحرومين له).

4-عسكرة الصراع: نيجيريا الثمانينات. الجنرال بابانغيدا يهاجم رجال الاعمال. رجال الاعمال يردون بإزعاجه في السوق. الجنرال الذي هو أيضا رجل أعمال -تماما مثل ذلك الجنرال الذي يفتخر في الحملة الإنتخابية بثراءه- يبدأ في تفكيك رجال الأعمال. رجال الأعمال يهربون إلى العالم الحر -وإلى الأدغال حتى. هنالك يبدؤون في جمع الجموع : يمولون الانقلابيين في الجوار ويغرون العسكريين في السلطة. لقد حدث هذا النموذج في موريتانيا في الثمانينات أيضا. رجل الأعمال الباحث عن قلب السلطة. أتذكرون؟

ذات يوم يقوم الجنرال أباتشي -الذي يشتهر في البلاد بالخمول والشهوانية- بالدخول على بابانغيدا ورميه خارجا ، ثم يقوم في الصباح الباكر بإعادة حقوق رجال الأعمال  المعتقلين.

اختصار: عندما لا تتم مراجعة الاقتصاد القائم من أساسه (نموذج التأميم) فإن الصراع مع رأس المال الخاص إما سينتهي بانتصار رأس المال أو بالدولة التي ستصبح رأس مال بديل أو أن السلم الأهلي سيدفع ثمن الصراع.

6

هناك من ظن أن موقف المعارضة المناصر لرجال الأعمال هو موقف مناقض  لأدبياتها وتموقعها الطبيعي.  وهناك من أعرب عن خجله -فيما منعه انضباطه الحزبي من الانسحاب- من المعارضة . أكثر من هذا هنالك من جرفه التنظير بعيدا و اعتبر أن موقف المعارضة هو دليل واضح على أن الحرب هي حرب الفقراء والأغنياء وأن المعارضة فضلت الصف الأخير: يعني تبرجزت، كما سبق وأن أشارت بروباغاندا الحزب الحاكم وحاكم الحزب الحاكم .

يجب التنبيه أن على أن وقوف المعارضة في صف رجال الأعمال ليس أمرا جديدا. في الثمانينات وقفت المعارضة الداعية للثورة ضد ولد هيدالة مناصرة لرجال أعمال معادين له. لم يكن الأمر انتصارا لرأس المال : كان استفادة من فرصة المنازلة ضد نظام دكتاتوري يكتم الأنفاس.

 وفي انتخابات 1992 وقف رجال أعمال ليبراليون (هذه صفة ملازمة لرجال الأعمال) ضد اقتصاد الدولة، ووجدوا الخيار البديل في الاقتصاد المشترك الذي دافعت عنه "فديك" ومرشحها ولد داداه. في المرحلة اللاحقة قام السيد ولد الطايع بالانتقام من رجال الأعمال المعارضين بتقوية الاحتكار وبالقانون الضريبي ، عندئذ قامت المعارضة (التي وصفت نفسها في حينه بالاشتراكية الديمقراطية) بالدفاع عنهم في هذا الإطار. كانت بياناتها الفورية دفاعا دوريا عن رجال أعمال مظلومين . كان في قمة المدافعين اشتراكيون ضد السوق ولكن القضية كانت واضحة بالنسبة لهم : لم تكن هزيمة رجال الأعمال في ذلك الوقت تعني انتصار الدولة ، بل كانت تعني انتصار رجال أعمال مناوئين .

لم يتغير شيئ مندئذ.

7

 آن الأوان لإرساء مقاربة نضالية بخصوص رجال الأعمال. يجب على العمل المعارض الضغط النقابي والمدني لإرساء أسس لوضعية اجتماعية خارجة من ربقة السلطة والمال. على أي مشروع ديمقراطي العمل على1- إبعاد رأس المال من الاستغلال الاجتماعي و 2- إبعاد رأس المال السياسي من السيطرة على التوظيف والتمكين. إن يتحقق هذا، عندما يُبعد النفوذ، فلن يبقى إلا صراع الأفكار.

بخصوص المقاربة الأولى يبدأ هذا باستبدال رأس المال الأفقي برأس المال العمودي: منع الأسر المالية من تسيير المؤسسات المالية الكبيرة كما لو أنها ملك شخصي. لقد رأينا كيف يستخدم هذا في السيطرة الاجتماعية وقمع الخيارات الثورية وهزيمة الديمقراطية. يجب الفصل بين رب العمل و مجلس الإدارة. يجب إتحاف مجلس الإدارة بصلاحيات تسييرية  وتعيينية لا يتدخل فيها رجل الأعمال المالك.

يجب أيضا العمل على منع الممارسات الربحية الفاحشة: الفصل بين رأس المال المصرفي و الشركات التابعة له. لا يمكن منافسة رأس المال التجاري بما هو مستودعاته النظرية. لا يمكن منافسة الأعمال بما هو أصلا ملك لها. لا بد أيضا من فرض تقنين يبت في وضعية الشركات القابضة، الشركات التي تضم شركات تحتية وتسيرها. لقد رأينا كيف تستخدم هذه الخدعة في الالتفات على الضرائب.

 أثناء تطبيق هذه الإجراءات يجب الحرص على أنها قوانين شاملة وليس إجراءات عقابية نستخدمها ضد أعداءنا ونعفي منها أصدقاءنا. يجب أن نردد كلمة الجميع ونحن نطبق هذا القانون. الجميع. هذا وحده سينقذنا من عواقب الجور. 

ـ نقلا عن تقدمي ـ

 

 

الاثنين, 04 يناير / كانون ثاني 2010 16:20