الإعلان
الإعلان
المعركة الرخيصة /عبد الرحمن ودادي
 

"إن الظلم في أي مكان هو استفزاز لكل طامح للعدل أيا كان"

                                              مارتن لوثر كينغ

 

 الظلم من المفاهيم النادرة التي أجمعت البشرية عبر التاريخ على رفضه و استنكاره و جعلت من محاربته أمرا ساميا  سواء في ذلك  الديانات الوثنية أو السماوية ، سنت ضده القوانين و ظهرت لمجابهته الأعراف و ترسخت للقضاء عليه الأخلاق.

الظلم هو الشيء الذي يحول الإنسان إلى كائن متوحش قادر على هتك الأعراض و سفك الدماء و تدمير إنسانية الإنسان ، التاريخ يعلمنا أن الظلم هو الخطر الأكبر على البشرية جمعاء.

يظن البعض أن هنالك درجات من الظلم و أن القليل منه قد لا يكون خطيرا أو بعبارة أخرى يمكن السكوت عنه ، و لكن التجربة و التاريخ علمانا أن الظلم يكون وبالا على القائم به و الساكت عنه  .

لا نحتاج للعودة لتاريخ الأمم الغابرة  لنجد أمثلة صارخة لكارثية الظلم وعبثيته بل يكفي النظر في تاريخنا القريب و القريب جدا.

لقد خسرنا الصحراء يوم نهبت متاجر" لقويرة " من ثلة عساكر جبناء و جدوا في التجار  العزل الهدف السهل و المعركة المدرة للمال الحرام ، خسرنا الصحراء يوم تجاسر جنود غير مهذبين داسوا الأعراف و القيم بإذلال مسنين أبرياء كل ذنبهم أن الله خلقهم من قبائل "الرقيبات" أو "تكنة" كل ذنبهم أن قاماتهم طويلة و وسحنهم صافية تشبه مقاتلي "البوليساريو" و أنهم ربما يتألمون لموت ابن عم هنا أو هناك ......

لقد خسرنا الصحراء بكل جمالها و رمالها الوثيرة و جبالها الشامخة و سواحلها الساحرة و أهلها الكرام و كل ما تغنى به محمد ولد الطلبة  يوم خسرنا قلوب الصحراويين يوم  ظلمنا الصحراويين .

في بداية ثمانينيات القرن الماضي كان هناك رئيس عسكري ، و كان هنالك رجل أعمال يخالفه الرأي و كان بينهما وشاة ، نجحت مساعي  الوشاة في حمل الرئيس على مضايقته ثم مصادرة أملاكه و سرعان ما انخرط " حابة ولد محمد فال " في العمل السياسي المسلح وغير المسلح ، دخلت البلاد دوامات الاضطراب و الانقلاب و دخل الكثيرون السجن بمن فيهم العديد ممن تلبس بجريمة الصمت الآثم عن الظلم.

بعد ذلك بسنوات طويلة دار الزمان دورته و تسنت  لي  زيارة الرجلين في سجن "بيلا" ـ في 2003  ...... إنها سخرية الأقدار ، شاهدت بأم عيني رئيس الدولة السابق يتقاسم الزنزانة و التهمة مع رجل الأعمال السابق و جال في ذهني أن ولد "هيدالة " لو كان يعرف ما سيكون لما كان ما كان و أن"حابة" لم يكن له أن يتخيل  يوما أن الأقدار  قد تجمعه مع عدوه السابق حليفين صابرين قانتين في موقف يواجهان قضاء منحازا و قدرا ساخرا !!.

اليوم نحن أمام مظلمة أدت ـ إلى حد الآن ـ لوفاة نفس بريئة  تفطرت حسرة و ألما من بلوى العسف و الجور ، لتترك في قلوبنا جميعا إحساسا بالهوان ورفضا للتواطؤ في جناية الصمت.

   إنها مظلمة تعيدنا إلى ذكريات أليمة وواقع نتمنى نسيانه ، واقع  حزين يذكرنا في كل لحظة أننا مازلنا من قبائل شتى نمارس النهب و السبي  و السلب و كأن كل ما مضى من التجارب عديم الجدوى و الفائدة.

اعتقل تجار بتهمة الحصول على حظوة من رئيس سابق  و فتح ملف البنك المركزي جزئيا ، من أصل 138 مليار صرفت بشكل استثنائي نرى التحقيق يقتصر على  14 مليار فقط تخص التجار المعتقلين ليظهر ذلك  أن التحقيق موجه و انتقائي هدفه توريط أشخاص بعينهم ، أكثر منه محاولة لاسترداد أموال عامة !!

تحدث المعتقلون و الوثائق بأيديهم عن تعويضات لخسائر في زراعة وشراء الأرز المدعوم ، وهي حجة غير واهية   فكثيرا ما نرى دولا تدعم الزراعة و حتى الصيد و الصناعة حفاظا على القطاعات من الانهيار ، و ها نحن نشهد انهيار زراعة الأرز عندما توقفت الدولة عن الدعم ،  و رغم ذلك لا أحد يصغي لحجتهم ، و يقبل المعنيون إرجاع المبالغ في اتفاقية تم التوقيع عليها مع البنك المركزي وتم  دفع القسط الأول قبل أن يتنكر ممثلو موريتانيا الجديدة لعهدهم و يطالبون في عملية ابتزاز مكشوف  بأضعاف المبلغ بحجة نسبة فائدة تم حسابها أحاديا ، يرفضها القانون و تمجها الفطرة السليمة .

لاحقا يتم اعتقالهم تعسفا و بدون أي وجه قانوني ، فالقوانين الموريتانية لا تسمح بالاعتقال في مثل هذا النوع من القضايا  غير الجنائية خصوصا عندما يمتلك المتهم الضمانات المالية من مؤسسات قائمة وشركات تسمح بتعويض المدعي في حالة كسبه للقضية .

الأدهى و الأمر أن رئيس الدولة المرجعية الأخيرة و الراعي للمؤسسات و الحافظ للدستور يجرم هؤلاء في خرق واضح لفرضية البراءة بل ويؤجج الشارع في مظاهرات مفتعلة وهزيلة  معظم  أفرادها موظفين مجبرين و أصحاب سوابق في استقبال و توديع ضيوف الرئاسة جاهزون دائما للتظاهر سواء من أجل الهياكل أو  الانترنت أو مكافحة السمنة  ....

الحقيقة المرة  أن  الاعتقالات و المظاهرات و المؤتمرات الصحفية  مجرد مناورات  تلفت الأنظار عن  الانفلات الأمني و سبي الضيوف الأندلسيين قبالة جزيرة " التيدرة" أول رباط ليوسف بن تاشفين أمير المسلمين و حامي الأندلس!

جال  المسلحون وصالوا في موريتانيا طولا وعرضا سهولا و جبالا  دون أن تتصدى قواتنا الباسلة لهذا الاستهتار بحرمة أرضنا و ورجولة جنرالاتنا و ليفاجئنا  قائدنا الفذ  و بطلنا المغوار بمعركة رخيصة من نوع ملحمة  دكاكين "لقويرة".

 

 

 

 

 
الاحد, 03 يناير / كانون ثاني 2010 08:04