آخر مقالات الكتاب الموريتانيين |
| في فساد الجيش/عبد الرحمن ودادي |
![]() موريتانيا اسم أطلق على هذه البلاد بعد ان استعصى على المستعمر الحصول على تسمية متفق عليها ، فهذه الأرض عرفت بأسماء عدة منها شنقيط و ان كان الاسم غير دقيق فمن أعيان البلاد من عرف بالولاتي نسبة لولاتة و التشيتي نسبة لتشيت وهناك من أطلق عليها بلاد التكرور كصاحب فتح الشكور في وصف أعيان علماء التكرور. عرفت البلاد بأسماء أخرى أهمها الأرض الخلاء أو الأرض بدون سيد كما وصفها "فريدريك غيوم الأول" احد أوائل من كتب عن المنطقة من الأوربيين. يبقى الاسم الأكثر شيوعا ودقة ارض السيبة و السيبة مرادف للفوضى...... الفوضى التي هي حكم القوة الصرفة الخالية من الشرعية الأخلاقية أو القانونية أو الدينية... السيبة هي قانون الغابة حيث الغلبة للأطول نابا و الأشد ضراوة. هكذا عاشت هذه البلاد في تاريخها الطويل ـ باستثناء فترات قليلة ـ تحاول التأقلم مع العنف عبر تبريره وتمجيده. مع الحكم العسكري للبلاد ترسخ مفهوم السيبة بمعنى حكم القوة و القوة فقط وتحولت وسائل القوة العمومية من سند للحاكم إلى مصدر وحيد للسلطة. مع العسكر غابت المعايير المنطقية للوصول للسلطة كالمشاريع النهضوية أو التنويرية واختفت حتى المعايير العددية و الاعتبارات الاجتماعية. حكامنا العسكر دائما من مجموعات قليلة العدد ودوما من جهات لا تعكس توازن المناطق ، كلهم فرانكفون في بلد عربي ، لا أحد منهم يحفظ ثمن حزب من القرآن في ارض المحاظر ولن تصادف منهم من يروي بيت شعر وأنت في بلد المليون شاعر! إذا توجهت لثقافة المجتمع المحلية فهل من حكّامنا العسكر من يحفظ شيئا من روائع "ولد آدبة" ؟ أو هل سمعتم أحدهم يستشهد بحادثة في تاريخ إمارة "البراكنة" ، أو يعرف بطولات"هنون" أو يروي "لولد انجرتو"؟ وإذا يممت وجهك شطر لغة فولتير ستجد فرنسية ركيكة و نفورا من القيم الايجابية في الثقافة الغربية كالديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان. قد نقبل منهم العذر أذا كان ما شغلهم عن الاندماج في منظومتهم التراثية و قيمهم وثقافتهم ـ أو أي ثقافة كانت ـ التبحر في العلوم العسكرية من أساليب المناورة بالنار و طرق تغطية الهجوم ونصب الكمائن أو عبور القفار و سهر الليالي مرابطين على الثغور. قياداتنا العسكرية لا تقوّم بالشهادات و لا الخدمات التي أسدتها في حماية الأوطان و حفظ الأرواح بل الشفيع لها القرابة أو الانتماء لقبيلة مرضي عنها أو التقرب لمتنفذ ولو بالمصاهرة . يكفيها من الخبرة خبرتها بردع شيوخ القبائل عن الانضمام للمعارضة ومن القدرة قدرتها على حث البرلمانيين على خيانة أحزابهم. لقد خلق تدخل العسكر في السياسة آليات تجعل من المستحيل على رجل العسكرية الجيد تولي المراكز القيادية ، لقد تمت غربلة الآلاف من العسكريين عبر عقود من الزمن ،غربلة ترسل الجيدين لجوارير النسيان و ترفع السيئين إلى القمم العلى. أجلست هذه التصفيات على قمة الهرم العسكري قيادات عاجزة عن الحركة، جمّدت ريح المكيفات الباردة مفاصلها وأصابتها بالروماتيزم وهي في عز الشباب، قيادات منشغلة بالتباهي بالسيارات الفارهة والمضاربات بالعقارات وأسعار الاسمنت و الأراضي ، شغلها الشاغل الوشاية بزميل أو عابر سبيل بتسجيل أحاديثه، بل كثيرا ما يتم التلاعب بالتسجيلات عبر وسائل المونتاج لتزيين إثم التلفيق بفاحشة التجسس لإتمام رذائل الأخلاق! مع كل هذه الخصال لا تمتلك هذه القيادات من الكفاءة ما يمكنها من ستر فضائحها، فتسجيلاتها الصوتية تسرب منها الكثير سواء مع الساسة أو نساء تفرغ زينه. لا غرو في ان تقود هذه القيادات البلد لتلقي الضربات الموجعة و أن يصبح حماها مباحا لكل من هب ودب ، فمن لا يمتلك أبسط معايير الأخلاق ، لن يتوق لسنام الفضائل وذروة القيم، قيمة الشهادة في سبيل الدفاع عن الوطن التي هي شهادة في سبيل الله .
حكم العسكر أفسد العسكر و الجيش كما أفسد الوطن ككل ، فجعل منا أفقر دولة عربية و الأكثر تخلفا في المنطقة فمالي مقارنة بنا بلد مزدهر ينعم بالحرية و السنغال دولة عظمى تملي علينا سياساتها. في كلام ولد عبد العزيز عن فساد الجيش تماما مفارقة و مبالغة. المفارقة في أن وصول ولد عبد العزيز لسدة الحكم ما كان ليتم لولا فساد الجيش , أما المبالغة فتكمن في تناسيه لذلك الضابط و الجندي وريث تاريخ الفروسية و الإباء و الذي لم تخل منه المؤسسة العسكرية يوما ، العسكري المؤمن بقداسة الذود عن حرمة الأرض و العرض ، المقاتل الأبي النفس المترفع عن الرذائل ، الرافض للوشاية المتأفف عن الجاسوسية واستخدام الوسائل المشينة، المحارب الشهم المرمي في غياهب النسيان و درك الحرمان والذي تقدمه كل يوم أبالسة التزلف وغيلان التجسس وشياطين المال الحرام قربانا في معبد الطموحات الشخصية ، المعبد الذي شيدته قيادات عسكرية شرهة ومتعطشة للسلطة. في تاريخ كل إمارة في بلاد السيبة دورة حياتية . عندما ينشغل الأمير وقواده بجمع المال ولو "بالتهنتيت" و يرضى العربان بالذل والهوان ، ويسكت الزوايا عن الفواحش ولا يجد "إيقاون" بطولة للتغني بها، تنقض إمارة أخرى على الحمى.... المصيبة الكبرى أن الإمارة هذه المرة هي إمارة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
|