لنكن متفائلين ففي هذا البلد البائس كل شيء ممكن الحدوث، رغم ذلك يبقي هناك دائما مجال للتفاؤل.. فعندما أري الشمس تشرق وتغرب كل يوم وبانتظام أقول في قرارة نفسي ان الوضع ليس ميئوسا منه بالدرجة التي نتصورها وأن هناك كائن ما في هذا البلد ما يزال يقوم بعمله علي أكمل وجه، وأن معاوية لن يعين أحد موظفيه مكان كوكب يقوم بمهمته الموكلة إليه بإتقان..
لكن يمكننا ان نًرَوعَ أنفسنا قليلا ونتصور ذلك اليوم الذي يقرر فيه الرئيس مكافأة أحد أطر الحزب الجمهوري بتعيينه في منصب الشمس.. في اليوم الأول كل شيء سيبدو طبيعيا.. سيقوم الموظف الجديد في السابعة تماما كما كانت الشمس تفعل وسيغرب في السابعة مساء.. في اليوم الثاني سيطلع الموظف في السابعة وخمس دقائق، أي مباشرة بعد استيقاظه وغسله لوجهه، وبالكاد يتفطن الي أنه لم يأخذ الوقت للسواك قبل أن يذهب الي مكتبه في الهواء الطلق. في اليوم الثالث لم يكن هناك شروق لا في السابعة ولا في الثامنة وإنما في العاشرة تماما، والسبب ان "خَلَفَ" الشمس الجديد كان في رحلة الي البادية لتفقد قطعان إبله، ورغم أن عنده سيارة عابرة للصحراء إلا أنها انغرزت في الرمال ولم تكن هناك شمس بالنيابة.. في هذا اليوم لم تكن المشكلة في الشروق وإنما في الغروب،إذ أن الموظف-الشمس –المعين حديثا- لم يغرب في السابعة مساءا ولا في الثامنة ولا حتى منتصف الليل، فقد كان مُشرقا ليس لكونه يعتقد انه في القطب الشمالي بل لأنه مازال يلعب الورق مع البعض من زملائه.. وليس مستعجلا الالتحاق بالمخدع الأسري لأن ربة البيت الشمسي لم تعد تأبه بما إذا كان الموظف الجمهوري اللامع (جدا) يتأخر عن البيت أم لا.. هذه السهرة الليلية جعلت الشمس لا تشرق في الغد إلا في منتصف النهار، وأدي ذلك الي فوضي كبيرة في البلد.. وطرحت الصحف في عناوينها البارزة مشكلة فلسفية عويصة هي: هل الوجبة التي نتناول عند طلوع الشمس منتصف النهار فطورا أم غداء؟ وفي عمودها "نقاط علي الحروف" نشرت جريدة "البيان" مقالا عنيفا يطالب باستقالة هذه الشمس المهملة والتي لا تهتم بهندامها، والممتلئ وجهها دماملا وقروحا، والتي لا تحلق ذقنها إلا مرة واحدة في الأسبوع.. في يوم الأربعاء لم تشرق الشمس لسبب بسيط هو أنها ذهبت لحضور مجلس الوزراء، وفي القاعة التي ينعقد فيها المجلس احتاجوا إلي تركيب أربعين مكيف هواء لتلطيف الجو الساخن جدا، واشتروا نظارات شمسية لكل الوزراء ما عدا الموظف الشمس.. وفي يوم الجمعة لم تشرق الشمس، طبعا لأنه يوم عطلة لراحة الموظفين. باختصار.. باختصار، لم تكن الشمس الجديدة علي مقدار الطموحات المعلقة عليها بل خيبت الكثير من تلك الآمال، فنصف السكان مات بسبب ضربة الشمس، ونصف النصف الباقي بسبب نقص الوسائل، ونصف ذلك النصف الباقي بسبب حروق من الدرجة الثالثة.. ونضجت جلود ذلك النصف من النصف الآخر، وأكله الباقون الذين ماتوا بدورهم من التسمم الغذائي. كانت تلك نهاية موريتانيا وتم إعلانها مزبلة دولية بقرار من الأمم المتحدة تم اتخاذه بإجماع الدول ما عدا الأثيوبيين الذين امتنعوا عن التصويت لأن مفهوم "مزبلة، قمامة، نفايات" غير موجود في اللغة الأمهرية. وأخيرا، وبما أننا لم نصل الي هذه الدرجة، وإن كنا قريبين منها، فستبقي عندنا دائما أسباب تجعلنا متفائلين.. فالشمس ما تزال تشرق وتغرب كل يوم.. وما الذي نطلب أكثر من ذلك؟ وهل يمكننا أن نطلب أكثر..؟ ترجمة: عبد الرحمن ولد عبد الله ـ نقلا عن موقع أقلام حرة -
|