الإعلان
الرئيسية
الإعلان
2010/ أبوالعباس ابرهام

ياللخيبة. هل هذا 2010 الذي تحدثوا عنه منذ عقود؟ هل هذا هو مشنف الآذان الشهير في السنوات الماضية؟ شاهدوا بأنفسكم: هذا هو 2010 الفردوسي الذي سينتهي فيه الألم: هذا هو 2010 محو الأمية ونهاية الفقر و حكم المؤسسات وازدهار الديمقراطية وشفافية القضاء. ياللخيبة !!!

 

لطالما رأينا هذا العام بأعين حالمة. "كنا صغارا ما انتظرنا هدهدا يأتينا بالأنباء". كل ما فعلناه أننا صدقنا بالفعل بقدوم مهدي التغيير على قطار2010. اليوم يعرف الكل أن الذي أتى لم يكن المهدي مطلقا، بل على العكس كان أعورا ويركب حمارا ويدعي القدرة على الشفاء. كنا صغارا نقرأ القصص المصورة ونشاهد كرتونات "الفرسان الثلاثة" والـ"شرلوك هولمز" و"الرحالة الصغير" ونلعب الكرة بالأقدام الحافية في الأزقة، كالمنتخب الهندي. ولكننا حملنا داخلنا ثقة مفرطة أنه في اليوم الذي سنكبر فيه ونفيق من تفاهاتنا الطفولية ستكون تلك الإستفاقة على عالم حر و راق، عالم 2010 الأسطوري.

 

كانت تلك أيام بعيدة. كان ذالك الرقم يمتلك طلسمية غريبة. كان الطايع حينها يمتلك تلفزيونا وطنيا كان الجميع يتنقنفد خلفه في المساء فتصدع منه تنبؤات نوستراداموسية غير قابلة للكبح حول حتمية النصر في 2010. في البداية كان المعني بعام الظفر السعيد هذا هو 2000 لأن الرقم بدا أكثر موسيقية، ولأن كل العالم تشدق به في حينه، ولأن التقليد هو رأسمال بهذه الأرض، ولأن الكذب بخصوص العام 2000 كان أكثر أمنا في ظل قناعات الجميع أنه سيكون نهاية العالم. كان الكذب بحقه مشروعا لهذا السبب الأخير. ولكن عندما اقترب العام الموعود بكل أمان، واتضح قرب الكذبة، بدؤوا في التحدث عن العقد الذي سيليه. استخدموا نقرة معلوماتية للتحويل.

 كانت هذه مأساة جيلنا لأننا نظرنا إلى أنفسنا أننا جيل 2010.

 

جاءت التسمية من طفولتنا. في حينها كانت أشياء كثيرة مازالت تتنفس. كانت ديناصورات حقيقية مازالت تعيش. كان تشاوسيكو حيا. نعم. وكانت مشاكله حية أيضا. بل وجمة، علاوة على ذلك. وعندئذ فعل الأمر المناسب: قرر القيام برحلة إفريقية. كما نعلم فهو كان يحب موريتانيا. اعتقدها أخت رومانيا الصغيرة. كان في السبعينات قد اقترح مشاريع إنمائية كبيرة على ولد داداه. وأسر في أذنه بضرورة تحويل الأخت الصغيرة إلى جنة التصنيع في القارة. كان الحزب الشيوعي يلجأ إلى حيلة لإنضاج التطور –بما أنه حاكم في دول زراعية- من أجل تحويل المزارعين إلى بروليتاريا. كان تشاوسيسكو نفسه عاملا ابن مزارع واعتقد أن هذا التدرج الأسري من الزراعة إلى الصناعة هو جوهر التطور. قارن نفسه بوالده و نظر إلى ذاته في اعتزاز واعتقد أن رسالته هي مساعدة الناس في التطور من بدو إلى متمدنين. كان يأمر بتدمير القرى وبناء مدن محلها "من أجل التسريع بالتحديث".

 كان مجنونا بالمدن وخلط بينها و بين التمدن تماما مثل ذالك الذي خلط بين البناء وبناء بعض الطرق.

 

 قرر تشاوسيسكو زيارة موريتانيا. وبدأ الطايع المستريح في حينه والخالي من مشاكل التسعينات و الألفية الشهيرة في التحضير للضيف التاريخي. كان تشاوسيسكو في حينه أكثر زعماء العالم كاريزمية بحيث إن التايمز تساءلت عن أيهما أكثر إثارة للفضول اليوم: تشاوسيسكو أم مايكل جاكسون؟ تم طرح السؤال مباشرة بعد اللقاء الشهير بين الاثنين. كان الأخير قد انتهى للتو من إنزال أكثر ألبوم موسيقي بيعا في تاريخ الإنسان، ألبوم "بيت إت"، الشهير محليا بـ"بيلى". وكان ذالك الألبوم مسئولا عن كثير من انتعاش  الشباب الموريتاني ويافعيته. كان عشرات الشباب يتموجون في الشارع على غرار حركات ملك البوب. ولقد استفاد من هذا الانتعاش التجار الصغار الذين أدخلوا آلاف الأكسسوارات الجاكسونية: القمصان المشققة والنظارات الساطعة و المعاطف الجلدية والأحزمة المطرزة بالحديد وطبعا الجينز النحيل والبنطال القصير والجوارب الطويلة و الأحذية ذات السيور الحديدية، وباعوها بأثمان خيالية في أركان الجمهورية الأربعة. كان عصر البوب. الشارع قال ذالك.

 

 المهم أن السيد الروماني قرر زيارة موريتانيا. كان السؤال الذي طرحه الطايع في حينه هو التالي: كيف يمكن تحويل موريتانيا إلى دولة رائعة في عين الزائر؟ نسي الطايع المعتاد على البلد المتواضع أنه يجب طرح نفس السؤال أيضا وباستدامة بخصوص المواطن. كان الطايع مقتنعا أن شيئا ما سيحدث في الألفية ولكنه أراد عملا سريعا للضيف. جاءت الأجوبة في شكل حملات تنظيف لعدة أماكن، لأن الزائر كان نشيطا وقد يقترح زيارات ميدانية اعتباطية. كان سائحا في هيئة رئيس. لم ترض حملات التنظيف الطايع الحرون. وعندئذ تم اللجوء إلى الإستراتيجية التقليدية: مادمنا غير قادرين على تزيين المدينة فلنقدم له شعبا جميلا. استقر الرأي على تنظيم سلسلة استقبالات شعبية جوهرها الأطفال. هنا كانت المأساة لأنه كان على ظهورنا الصغيرة تحمل هذا الرأي.

 

تقرر أنه يجب تمويل تكاليف الاستقبال من جيوب التلاميذ. كان لا بد لهؤلاء من الضغط بالدموع والإضراب عن الطعام على الآباء من أجل شراء أحسن مستلزمات الاستقبال. ذهبنا في الصباح إلى السوق من أجل تنفيذ وصايا المدرسة: شراء سراويل سوداء وقمصان بيضاء ورايات رومانية وموريتانية. لم تكن الأحذية إلزامية. هذا ما اكتشفناه يوم الاستقبال عندما التقينا تلاميذ مدارس وسط المدينة.  كان العشرات منهم يسيرون حفاة في يوم قيامة خاص بالأطفال بمحاذاة الطرق الرئيسية.

 

كان على البراعم الصغار (هكذا كانوا يسموننا أيامها) السير على الأقدام من مدارس مختلفة في قلب العاصمة وفي صفوف رتيبة  إلى مناطق في الواجهة على طول طريق الرفيق تشاو من مطار نواكشوط إلى القصر الرئاسي. 

 

كانت طوابيرا رتيبة ومشينا فيها بانتظام حثيث. كان يمكن الحصول على امتيازات رائعة رغم أنف الشمس التي تشوي الأجسام؛ فمثلا سمح لنا بالحديث. وكانت هذه سابقة من نوعها في تاريخ المدرسة الإبتدائية العريقة بقمع اللغط. وبالنسبة للأغلبية منا كانت الهبة أعظم من ممارستها، ومرة أخرى حافظت الجموع الصغيرة على صمتها. وصل الصفان المتوازيان إلى تقاطع الطريق القريب من رئاسة الجمهورية. كانت حينها عبارة عن مكاتب متواضعة مبنية على الطراز الإستعماري القديم. وكانت أبعد ما تكون من قصر تشاو المعروف بـ"منزل الشعب"، ثاني أكبر مبنى إداري في العالم بعد البنتاغون.

كانت الرئاسة متواضعة وكانت واجهتها القريبة ساحة كبيرة تقوم مقام الملعب الرياضي المفتوح لفرق كروية متعددة في العاصمة. كان اسمها "ساحة الوزارة" وكانت هتافات الرياضيين تسمع بوضوح من مكتب ولد الطايع الذي كان شبابيا و يحب الأنس. وكان يحدث أن تركل الكرة إلى داخل القصر فيردها الحرس الرئاسي إلى اللاعبين بسرعة. لم يكبر قادة الحرس في ذلك الوقت وكانت مشاغل الحرس الرئاسي أكثر هي رياضية منها سياسية في ذلك الوقت. كان وقتا بريئا، وكان السيد طايع وديعا ولم يضايق الشباب. بعد سنوات ستتعاظم موجة الفردانية عنده تزامنا مع ارتقاءه وستبدأ الأصوات بإزعاجه وسيقرر تسييج الساحة الرياضية وتسريح الفرق لصالح بناء حديقة القصر، كما سيقوم ببناء القصر الرمادي بدل المكاتب الرئاسية المتواضعة، وسيحول الرئاسة إلى جنة الصحراء وحلم المواطن بحيث إنه مباشرة بعد الانتهاء من بناءها وبعد ذالك ستحدث أربعة محاولات انقلابية من طامعين بدخول القصر المريح. لقد حول المكان إلى الحلم الأمريكي لسائقي التاكسي و حراس القصر والحراس الشخصيين و العقداء في الجوار القريب للقصر وأصدقاءهم من بدو و سماسرة وبحيث أنه عند أول استحقاق رئاسي بعد مغادرة الطايع سيترشح 20 شخصا من الحالمين بالإيوان الفردوسي. لقد حفر الطايع القبر بكل إرادة عندما زينها للناظرين.

المهم: وصلنا للمكان وعندئذ تنافس المعلمون و منتدبو الوزارات في التنظيم: قسموا الأطفال المتراميين على مدى الصف الطويل إلى أجيال. وضعونا نحن الأصغر في صفوف قريبة من الرئاسة وسمونا جيل 2010. انطبع هذا الإسم في أذهاننا بقوة وارتبط بتلك اللحظة التاريخية: أهم حالة استقبالية في تاريخ البلاد بعد زيارة بومبيدو الشهيرة التي حوصر فيهامع ولد داداه ورميا بالبيض، حسب الرواية الشعبية. كانت عظمة اللحظة هي في كونها كانت اللحظة التي أتى فيها العالم لمعرفة ما عندنا. كانت الصفوف التي تصطف أمامنا في اتجاه وزارة الخارجية في الطريق المتموج إلى المطار هي صفوف معمرة بالأطفال الأكبر سنا الذين تم تسميتهم بأجيال 2000 و 1990 والذين تليهم في الطريق الطويل حشود شعبية يؤمها مسئولون سامون و إداريون كبار بدوا أكثر إجهادا منا نحن الصغار. كان السلم الاستقبالي ينحدر من الأكبر إلى الأصغر سنا في اتجاه جيل 2010.

لم نفهم هذه الرمزية، نحن جيل 2010، إلا في 2010، ولكن معناها كان واضحا: في الطريق إلى 2010 سيتقزم الطريق إلى الرئاسة و سيصغر جدا. إن الرئيس يبدأ قائدا عظيما أو إداريا كبيرا ولكنه لا يصل للرئاسة إلا عندما يصبح طفلا، طفلا بحيث يبدأ في عضك عندما تمنعه من اللعب بكتابك، مثلا، أو الانقلاب عليك لأنك مارست حقك بإقالته.

جلسنا متهالكين عند طريق الرئاسة وقرب حديقة عمومية قرب البنك المركزي. (يطلق وصف حديقة عامة في هذه البلاد على كل مكان مسيج تمتلكه الدولة بغض النظر عن اخضراره من عدمه، ويجب التمييز بين حديقة وساحة –الأخيرة ليست مسيجة). أحسسنا أننا جيش كنعاني في لحظة استراحة وتبادل النكت قبل بدء المعركة. فجأة مرقت دراجات نارية عليها دركيون يشيرون بضرورة القيام والاصطفاف السريع لضيف موريتانيا. اشرأبت الأعناق الصغيرة في التوق للمثير. وفجأة بزغت سيارة كبيرة عليها صحافيان وكاميرات. كان أحدهما رومانيا أما الآخر فكان الميسيو حسن الشهير. كان يواجهنا بظهره بينما هو ينظر ويعلق على الموكب القادم خلفه. كان في حينه يمتلك فوق رأسه أشهر صلعة في العاصمة: منحنى عظمي مغطى بجلد ناصع ومشدود ومصقول بعناية إلهية، وكانت نظافة صلعته تفسر لماذا لا توجد عليها شعرة واحدة: كل شيئ على تلك الصومعة سينزلق حتما للأسفل في انسيابية. كل شيء، كل شيء، حتى الشعر. عكست صلعتة الميتافيزيقية مساعدة من قبل سطح السيارة البيضاء التي يجلس عليها نورا هائلا وسطع المكان في قوة أسطورية. كان الميسيو حسن يسكن في حينا في تلك الأيام ولكن أسطوريته لم تظهر سوى ذلك اليوم. بدا كأنه جهاز لعكس الأشعة الشمسية وتعاظمت الشمس حتى ابتلعت الصحفي و سيارته.  

من ذالك النور بزغت سيارة مرسيديس سوداء مكشوفة يطل منها شخصان سعيدان يشيران للجماهير الصغيرة. أحدهما كان العقيد معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع شخصيا، رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية، رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني. الآخر كان نيكولا تشاوسكو بشحمه ولحمه، رئيس رومانيا الاشتراكية، رئيس مجلس الدولة، والأمين العام للحزب الشيوعي الروماني.

 

كنا نرفرف الرايات الورقية في حماس. كان الطايع مازال يافعا وبدأت الحياة نضرة على ملامحه. كان قريبا منا بحيث أننا لاحظنا بوضوح تموجات شعره. عكست ابتسامته للجماهير ألفة عجيبة جعلت شامته الشهيرة واضحة أكثر. بقربه بدا "تشاو" نحيلا ومنهكا. كان سبعينيا حينها ولم يعد أبدا ذاك الشاب الباسل في الستينات، ابن المزارع الذي تجرأ وعاند حلف وارسو و تحدى خروتشوف، بطل اجتياح براغ. تعلقنا رغم ذالك بالعجوز تشاو لأن معلمينا أبلغونا خطأ (يجب أن نعذرهم: كانوا في النهاية معلمين موريتانيين وفي الثمانينيات) أن رومانيا هي البلد التاريخي للإمبراطورية الرومانية وأنها بلاد الروم. نظرنا بانبهار إلى إعياء "الإمبراطور" تشاو كما لو أنه كان قسطنطين داخلا بيت المقدس حافيا على قدميه. أحسسنا بعظمته من وراء فتوره البادر.

 

الطايع أيضا كان مثلنا. نظر بإعجاب إلى الأرطبون قربه. كان إعجابا قديما-جديدا ونحن نعرف أن الشاب قلد العجوز في التعامل مع النقد الدولي و في العلاقة مع إسرائيل السابقة من نوعها في محيطه السياسي وفي التغاضي عن النصائح وفي الولع بالتثقيف العام ومحو الأمية والاستدانة بلا حساب من المانحين (لم يقلده في رفض الإقتراض وتحريمه دستوريا بعد ذلك).

 

بعد سيارة الطايع-تشاو ظهرت سيارة أخرى فيها ألينا، زوجة تشاو الشهيرة  ترافقها سادية كامل، زوجة الطايع. لم ننتبه للمرأتين وتعلقت عيوننا بالعقيد والرفيق الذين عرجا إلى المنزل الرئاسي المتواضع.

مباشرة مع الإنعطافة ودخول الموكب تم تسريح الصفوف اليافعة دون رقيب وعدنا ونحن معتزين بكلمة 2010. كنا نعرف أنها تعني شيئا مناقضا لضياعنا و شقاءنا وإعياءنا الذي أحسسنا به في طريق العودة.

 

عاد تشاوسيسكو وإلينا إلى رومانيا وبعد أشهر ثار عليهما الشعب لأنهما عجزا عن الرؤية. أنصار الزعيم الروماني أعموه لأنهم كانوا يقدمون له عالما مغايرا لعالم البؤس الذي صنع. كانت الأبقار السمينة تشحن من بوخارست لتقدم له في المزارع التي يزورها في الأرياف على أنها أبقار ريفية لتأكيد وفرة الريف. كان مستشاروه يخفون برقيات الشكاوي التي يرميها العامة له في زياراته و يقدمون له محلها عبارات الشكر والتأييد. كانت ثقافة الشكر والمدح هي موسيقاه اليومية. لم ير حوله غير المجد المزور بحيث أنه وقف في قمة الثورة في قلب بوخارست (ديسمبر 1989) أمام المتظاهرين الثوار أمام مقر اللجنة المركزية وهو يصدق بالفعل أنهم أنصاره، وليس أعداءه الناذرين قتله. ولم يفق إلا على صرخات الشجب و الأحجار المرمية تجاهه. كانت ثورة أيدها كل العالم وتهاطلت رسائل تأييدها من العالم الشيوعي نفسه. كان الوقت متأخرا حينها بحيث أن الهرب أصبح مستحيلا. لم تستطع المروحية نقل تشاو وألينا بعيدا. أمسكتهما الشرطة. وحوكما محاكمة شعبية سريعة. قيدت أياديهما خلف ظهريهما وتم جرهما بمحاذاة الحائط و أطلق عليهما رصاص عشرات الجنود يوم عيد الميلاد. ورميت جثتيهما المشوهتين في مكان مجهول.  

حز الحدث في نفس الطايع ولكنه -كأي ساكن في القصر- نسي كالأطفال. وسار على خطى العجوز شبرا بشبر وذراعا بذراع. انخدع بهمسات مستشاريه واعتقد نفسه بالفعل زعيما مجيدا. واصل زياراته للقرى الفقيرة محاطا بمواكب نواكشوطية متقنع بأنها سكان القرى المزارة. صدق الفيلم، وابتسم وهو يرى "نضارة" الريف الذي خبر يافعا مدى بؤسه. كانت السيارات الفخمة تسبقه لإظهار الوفرة له. كانت المنتوجات الأوروبية تقدم له على أنها "بعض ما عندنا". وكانت أذنه تسمع أعظم قصائد المدح وأعذب أغاني التمجيد. كان يحكم بحيوانات آكلة للحوم البشر و للتمويلات وللثروات ولكنه اعتقدهم حواريي المسيح. واصل الاستدانة وصرفها في التسيير الظرفي و زاد من الغلاء و تجاهل الشعب إلى النخبة. رفض مشاهدة الاحتقان وظن نفسه متسامحا بحيث إنه استنكر الانقلاب عليه بحجة ديمقراطيته وعدالته. وحده تسامح الشعب وخنوعه وعدم نضخ التقاليد الثورية هو ما أنقذه من مصير زائره في الثمانينيات. ولكنه غادر مجبرا.

 

غادر الطايع و غادر تشاو وغادرت ألينا وغادرت سادية ولكن 2010 بقي في الأذهان. لم يشكك أحد أنه سيكون عام النصر. كان كبشارة عيسى: نعرف أنها ستأتي يوما ولكن لا ندري كيف. كنا متأكدين أنها ستنبزغ فجأة كما انبزغ الطايع و تشاو من النور الساطع ذلك الزوال.

 في2005 وفي منتصف الطريق نحو 2010 وفي الوقت المناسب تدخل الجيش وأرسى أسس العام الموعود. اتفقت النخب على كيفية المسير في الأيام التشاورية. حلت مشكلة الانتخابات. تم ديمقراطيا –وليس إقصائيا-إنتاج نخبة سياسية جديدة عمادها جيل شاب من البرلمانيين والمسيرين المحليين والإعلاميين. حدث انتقال للسلطة وتم في المرحلة اللاحقة تحصيل رأس المال الضروري للإنطلاقة نحو 2010 خاصتنا في الطفولة من خلال أموال المانحين والوعود الاستثمارية الكبيرة في الأفق. 

كانت هذه صلعة حسن المصقولة التي تعكس النور الساطع ونحن وضعنا أيدينا على أعيننا في ألم وانتقدنا التباطؤ وهاجمنا. كنا شبابا نعاند القدر. كرهنا ذلك الواقع الكسول تماما كما كرهنا –أطفالا- اصطفافنا في الهجير في يوم تشاو وألينا. ولكننا لم نفقد الثقة في المستقبل، تماما كما في طفولتنا.

المفاجأة لم تأت من انتظارنا للمستقبل، بل جاءت من المستقبل نفسه. الذي بزغ من نور الإنتظار كان 2010مغاير تماما. بزغ 2010الغدر وموت العدالة والإنتقام والشخصنة والإستثراء اللامشروع والفساد والحصانة من العقاب والتصريحات الرعناء واحتقار الإنسان...

في 2010 نحن نتراجع بدل أن نتقدم في كل المؤشرات الدولية للديمقراطية والشفافية والرفاه الفردي والدخل القومي والمداخيل الخاصة وحرية الإنسان والأمن.

في 2010 يحكمنا جنرال مازالت صوره بالبدلة العسكرية توشح الجدران الإدارية. ومازالت ذكرى مجلسه العسكري الذي حكمنا بالمراسيم حية و تقرص. في 2010 حلت الثكنة محل المجتمع المدني. في 2010 تحولت آليات تنفيذ القانون إلى أزرار في جهاز التحكم بيد حاكم متسرع. في 2010 تنسحب الدولة من الإنفاق العام لصالح جشع رجال الأعمال. وهنا في عامنا الأسطوري هذا يذبل الحب  وتترنح السيادة و تنتصر المركزية وتصنع الديكتاتورية وينتحر البرلمان و تتسع الفروق بين الأغنياء والفقراء وبين المدينة والقرية وتنتعش هجرة العقول و خوف المال و ازدهار التطرف واحتقار الذات.

هل هذا 2010الذي شنفوا به آذاننا على مر العقود؟ هل هذا 2010 طفولتنا؟ هل هذا 2010 طفلنا الذي ربيناه في أذهاننا طوال السنين؟

كل ما أعرف هو أنهم شجعونا صغارا على الحلم. قالوا لنا إنه إذا حلم الناس جميعا فإن الحلم سيتحقق وأضافوا –واثقين-أن المشكلة أن الناس لا يحلمون. اليوم نحن نعلم بحسرة أن هذه ما كانت مأساة جيلنا أبدا. إن مأساتنا هي في أننا حلمنا بالفعل. وإن عقابنا هو أن نفتح عيوننا على 2010 الواقع بدل 2010 الحلم.

اغرب عن وجهي بعيدا أيها المسخ. أنت لست 2010 طفولتي.

آه. يا أسفي على 2010.  

 

 

Users' Comments (0)

لا توجد تعليقات

أضف تعليق



mXcomment 1.0.9 © 2007-2010 - visualclinic.fr
License Creative Commons - Some rights reserved

تاريخ آخر تحديث (الاحد, 24 يناير / كانون ثاني 2010 14:42)