الإعلان
الرئيسية
الإعلان
عميقاً في قلب الهند المسلمة بعد اعتداءات بومباي/ وندي كريستياناسن
 

بعد أقلّ من شهر على اعتداءات 26 تشرين الثاني/نوفمبر، عادت الفنادق الفاخرة في بومباي، تاج محل وأوبروي-ترايدنت، تفتح أبوابها. ولكنّ الصدمة ما زالت قاسية في مجمل أنحاء البلاد. منذ البداية، خمّن السيّد مانموهان سينغ، رئيس الوزراء الهندي، أنّ الجناة قد قدِموا من باكستان وأتوا من الحركات الإسلاميّة التي ترتع هناك. ومنذ ذلك الحين، تزداد الضغوط على إسلام آباد، ولكن مع خلفيّات لها أبعاد جيوسياسيّة. ولكنّه عندما أشّر بهذه السرعة إلى عدوٍّ خارجي، فإنّ السيّد سينغ يحاول أيضاً تفادي الصدام بين الطائفتين الهندوسيّة والمسلمة في بلاده. أمّا الحزب الرئيسي القومي الهندوسي، حزب بهاراتيا جاناتا Bjp، فقد لعب ورقة التخويف والإثارة. دون أن ينجح. فقد أدانت الأغلبيّة المطلقة لكلّ الحركات الإسلاميّة الاعتداءات: تلك في بومباي، كما الأخرى التي أدمت الهند طوال عام 2008. ولكن بعض الجعيّأت تخشى تجذّر الشباب المسلم، الذي تعيش أغلبيّته بشكلٍ بائس.

مفاجأة في نيودلهي... فلم يكُد يمضي أسبوعٌ على اعتداءات بومباي، حتى تعزّزت مواقع حزب المؤتمر الذي يرأس الائتلاف الحكوميّ في ثلاثٍ من خمس ولايات، كانت تجري فيها انتخاباتٌ فرعية، ومنها العاصمة. وهذا انتصارٌ لم يكن يتوقّعه أحد، إذ إنّ هذا الحزب قد أنهكته أربع سنوات في الحكم، وأضعفته الأزمة الاقتصادية والمالية، وتضعضع بسبب أحداث تشرين الثاني/نوفمبر الدامية. مع ذلك فقد انتزع الفوز في ولاية راجستان إحدى أكثر الولايات السياحيّة أهمّيةً في الهند في الثامن من الشهر الجاري من الحزب الوطني الهندوسي (بهاراتيا جاناتا - (BJP الذي أقام حملته الانتخابية على أساس حالات الضعف التي تنتاب السلطة المركزية إزاء الإرهاب بشكلٍ عام، والمسلمين خصوصاً.

ويشير جواد أناند، الكاتب والمناضل المسلم العلماني: "كان الحزب الوطني الهندوسي قد اشترى صفحةً إعلانيّة كاملةً في بعض الصحف، وفيها كلمة "إرهاب" بالخطّ العريض، محاطة بلطخاتٍ من الدم، وبشعار: "التصويت للحزب الوطني الهندوسي يعني التصويت للأمن". لكن هذا لم يؤدِّ المطلوب. فالعديد من الناس، ومنهم نحن المسلمين، يعيشون حالةً من القلق. إلا أنّ الناخبين صوّتوا للفاعلية، للخبز والزبدة".

وفي الواقع، صوّت الناخبون لاعتبارات تتعلّق بمسائل محلّية واجتماعية (أسعار المنتجات الغذائية، التزوّد بالمياه، فرص العمل...)؛ وهذا ما يفسّر النجاح الذي حقّقه حزب باهوجان ساماج BSP، حزب الـ"داليت" )أي المنبوذين خارج "الطبقات" الهنديّة( الذي تقدّم في نيودلهي من 5 في المئة في العام 2003 إلى 14 في المئة في 15 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي. وقد تأسّس حزب المنبوذين هذا على يد السيدة كوماري ماياواتي، صاحبة الشخصية المتميّزة، والتي غدت رئيساً للحكومة في ولاية أوتار براديش (170 مليون نسمة) بعد أن عقدت تحالفاً لا سابق له بين المنبوذين وهندوسيي الطبقات العليا والمسلمين... ويمكن لهذا التحالف أن يمتدّ إلى أماكن أخرى.

لا أحد يستطيع التأكيد ما إذا كانت هذه النتائج ستجِد امتداداً لها في الانتخابات العامّة في الربيع القادم. وبالكاد يُمكن الاستنتاج أنّ مناورات الحزب الوطني الهندوسي قد فشِلَت. ثمّ إن المواجهة بين الطوائف لم تقع، وهو ما كان يتمنّاه البعض، مثل الأكثر تشدّداً بين القوميين الهندوس، ويخشاه البعض الآخر، وخصوصاً الطوائف الإسلامية. لكن هذه الطوائف الإسلامية ما تزال تنتابها المخاوف وهي تتحرّك على هذا الأساس.

وفي 7 كانون الأوّل/ديسمبر، أي بعد عشرة أيامٍ على اعتداءات بومباي، شارك أئمّة ومواطنون مسلمون عاديون في المدينة في تجمّعٍ صامتٍ إحياءً لذكرى الضحايا، نظّمه الكاتب أرناند ومجموعته "مسلمون من أجل ديموقراطيةٍ علمانيّة". كما عبّروا عن سخطهم بسبب "انهيار كلّ نظام الحكم، ودانوا مجمل المنظّمات المتورّطة في أعمال القتل الجماعية" والمقصود هنا هو تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان" والحركات الباكستانية وخصوصاً "عسكر طيبة"، وبعض المجموعات الهندية المحلّية. وصدحوا بين هتافاتهم: "ليس هذا باسمنا" [1]. وقد تمّ تنظيم تجمّعات أخرى في بنغالور وأحمدآباد وأندورا وحيدرآباد ونيودلهي. أبعد من هذا، رفضت السلطات الدينية من جهتها أن تقوم بمراسم دفن الانتحاريين التسعة في مقبرةٍ إسلامية، بدعوى أنّهم ليسوا مؤمنين حقيقيين.

اعتداءات بومباي، وهي الأخيرة في سلسلةٍ طويلة، قد اجتذبت اهتمام العالم أجمع لأنّه سقط فيها ضحايا غربيّون؛ حتّى وإن كانت الغالبية الكبرى بين الضحايا المائة والثلاث وستين هي من الهنود. فخلال سنة 2008 وحدها، وقعت انفجارات أودت بحياة ما يزيد عن مئتي قتيلٍ وحوالى ألف جريح، خصوصاً في ولاية أسام، مركز إحدى الحركات الانفصالية القوية؛ حيث قتل، في 30 تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي أكثر من أربعة وستين شخصاً وجرح المئات. كما استُهدِفَت نيودلهي بالاعتداءات (في 13 و30 أيلول/سبتمبر عام 2008، سقط فيها تسعة عشر قتيلاً) وماليغاوون [2] (في 29 أيلول/سبتمبر، خمسة قتلى) وأحمدآباد (في 26 تموز/يوليو، 49 قتيلاً) وبنغالور (25 تموز/يوليو، قتيلان) وجايبور (13 أيار، 63 قتيلاً). وقد اتجّهت الشبهات وقتها صوب مجموعاتٍ محلّية مثل "المجاهدين الهنود" و"حركة طلاّب الهند الإسلامية - SIMI" المحظورة حالياً، أكثر منها صوب باكستان المشتبه التقليدي.

لقد أذكت وسائل الإعلام كثيراً أجواء الهستيريا العامّة: فمع غياب الأدلّة، تمّ الأخذ فوراً دون تدقيق بكلّ "المعلومات السرّية" الآتية من دوائر الشرطة أو من المخابرات. وقد أقرّت بعض الشخصيات الإسلامية وبعض المثقفين العلمانيين، وهم عادةً من اليسار، بقلقهم إزاء تضخّم عدد "العقول" الإرهابية التي تمّ اكتشافها، وتوقيف مئات المسلمين، والتقارير عن "الاعترافات" المنتزعة منهم تحت التعذيب. والمثير أكثر للقلق بالنسبة إلى المسلمين الهنود هو أنّ المشتبهين الرئيسيين ليسوا من الملتَحين المتخرّجين من المدارس القرآنية، بل هم أشخاص تلقّوا تربيةً علمانيةً حديثة.

ويوضح عبيد صديقي، المسلم المتخصّص في وسائل الإعلام والأستاذ في "الجامعة المليّة الإسلامية" في نيودلهي قائلاً: "إنّ زعماؤنا السياسيين ليسوا شرفاء: فهناك أزمة شرعية. أضف أنّه ليس هناك في الهند إجماعٌ سياسيّ حول مسائل جوهرية مثل الإرهاب".

لكن هناك إحساس متنامٍ بقيام حالة خطرة من العداء للإسلام. وهكذا نجِد أن أن مركز الدراسات الاسلامية "دار العلوم" في ديوباند (أوتار براديش) قد أصدر في شباط/فبراير عام 2008 فتوى [3] ضدّ الإرهاب ونظّم في 31 آيار/مايو، مؤتمراً في نيودلهي ضمّ المنظمات الإسلامية الرئيسية دعماً لفتوى مدير دار العلوم، المفتي الكبير حبيب الرحمن ومساعديه الثلاثة.

أكثر فقرا من "المنبوذين"

ان اسم "ديوباند" وحده يثير في الطائفة الإسلامية الورع والاحترام. فغالبية أبناء المذهب السنّي الهنود (وهم يشكّلون غالبية المسلمين في البلاد) يتبعون تعاليم هذه المدرسة، وكذلك الكثيرون من أبناء سنّة باكستان والغرب. وتقع هذه المدرسة الإسلامية في بلدةٍ صغيرة على بعد ست ساعات في السيارة من نيودلهي، بين حقول الحبوب وقصب السكّر.

ويبلغ عدد طلاب مدرسة دار العلوم الدينيّة حوالى ثلاثة آلاف وخمسمائة، يقيمون فيها على مدى ثلاثة عشر عاماً إلى أن يحصلوا على شهادتهم. وفي كلّ سنة يتمّ اختيار ثمانمائة مرشّح من المتقدّمين العشرة آلاف. والتعليم فيها مجّاني. يجول بنا السيّد عادل صدّيقي، مدير العلاقات العامة، في متاهةٍ من المباني وصولاً إلى المطابخ المفتوحة حيث يطحن القمح. فيؤكّد أنّ "العمال الزراعيين في الجوار يحبّوننا كثيراً ويقدّمون القمح للأولاد".

ويرى السيد صدّيقي أن التهمة التي وجّهت إلى هذه المدرسة بإقامة علاقات مع أسامة بن لادن وحركة طالبان بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 كان فيها تجنٍّ كبير. بل بالعكس، إنّ هذه المدرسة، التي تأسست في العام 1866، تحظى بالاحترام بسبب مواقفها المتزِنة. وقد لعب مؤسّسوها دوراً رئيساً خلال انتفاضة "السباهية" في العام 1857 ضدّ الإمبراطورية البريطانية [4]. كما أن هذه المدرسة قد دافعت على الدوام عن الديمقراطية العلمانية في الهند.

وقد اتّخذ المفتون مبادرات أخرى بغية تأكيد رفضهم العنف. فعبر "جامعة علماء الهند" (JUH) وهي منظّمة مرتبطة بمدرسة ديوباند وتضمّ عشرة ملايين منتسِب، انطلق، في 2 تشرين الثاني/يناير عام 2008، "قطار سلام" حاملاً أكثر من ستة آلاف مفتٍ إلى حيدرأباد حيث عقد مؤتمرٌ ضدّ الارهاب. وقد صدرت فتوى جديدة (مستوحاة من فتوى دار العلوم) تحظّر اعتماد العنف باسم الإسلام، وتابع مائة ألف شخص أعمال الجلسة المسائية الختامية. ولفت مولانا محمود مدني، رئيس "جامعة علماء الهند"، والعضو في المجلس الأعلى للبرلمان الهندي (راجيا سابها)، إلى دور "الاندماج الوطني، وهو الإطار الضروري لكلّ النقاشات". وقبل ذلك كان قد اعترف أنّ على جامعة علماء الهند أن تضاعف جهودها من أجل أن تصل إلى الشبيبة المستاءة وإفهامها أنّ "الارهاب لا يمكن أن يكون هو الجهاد".

وإذا كان نفوذ مشايخ "ديوباند" قويّاً ورئيسياً في الأوساط الدينية ولدى الفئات المحرومة، إلاّ أنّه يبقى شبه معدوم في أوساط الشباب. إذ يأسف الكثير من المسلمين لأنّ المشايخ لم يتصرّفوا بالشكل الكافي ليدعموا الإصلاحات على "القانون الشخصي" (Personal Law)؛ وهو قانون أحوالٍ شخصيّة يفسح المجال أمام القانون الإسلامي لكي يطبّق في كلّ المسائل المرتبطة بالقضايا العائلية (الطلاق، الزواج، الميراث...) [5]. في حين تطالب الكثير من النساء بتغييرات، وذلك لأنّ إجراءات الطلاق مثلاً غالباً ما تنطلِق من طرفٍ واحد، أي من جانب الرجال.

وهناك حركتان أخريان، غالباً ما ترتبطان بالتطرّف، هما "جماعة التبليغ" و"الجماعة الإسلامية في الهند" ((JIH. الحركة الأولى، المتّهمة في الخارج بالتطرّف، تقدّم نفسها في الهند على أنّها حركة دينية صرف، لا تهتمّ بالسياسة. أمّا الثانية [6]، فتتمتّع بحضورٍ مهمّ في وسائل الإعلام الرئيسة وبشهرةٍ كبيرة في أوساط الإسلاميين. وقد خفّفت من حدّة خطابها في الآونة الأخيرة على الرغم من أن زعماء التيار الرئيسي من المسلمين الهنود (مثل جماعة ديوباند) مازالوا يعتبرون أيّ شكلٍ من أشكال الإسلام السياسي خطيراً ويستثنون "الجماعة الاسلامية" من نشاطاتهم.

ولذا استبعدت الجماعة الإسلامية في الهند عن المبادرات الإسلامية المشتركة التي أقيمت ضدّ الإرهاب في العام 2008. وفي تشرين الأوّل/أكتوبر، صاغت الجماعة بيانها الخاص ضدّ أعمال العنف؛ وبعد شهرٍ واحد، أرسلت عبر البلاد قافلتي سلام من أجل "مكافحة الإرهاب". وقد ظهرت في ولاية "كيرالا" حركةٌ أكثر جذريّة، بل أكثر تطرّفاً من الجماعة الإسلامية، وهي "الجبهة الوطنية الديموقراطية" وقد دعت إلى الكفاح المسلّح ضد القوميين الهندوس.

ولكن يتأتّى الخطر الحقيقي من حالة البؤس والشعور بالظلم الذي يعيشه المسلمون الهنود بشكلٍ واسع. وبالفعل، بقي غالبية المسلمين، البالغ عديدهم 154 مليون نسمة، أي 13,4% من مجمل السكان، وبالتالي الأقليّة الأكبر في الهند، بعيدين عن "المعجزة الهندية" التي يتمّ التباهي بها. فحسب تقرير اللجنة التي يرأسها وزير العدل "راجندرا ساشار" [7]، فإن السكان المسلمين "ظلّوا في أسوأ تصنيفات معظم مؤشّرات التنمية البشريّة". وقد أجريت هذه الدراسة، بناءً على طلب الحكومة نفسها، منذ تشرين الثاني/نوفمبر عام 2006؛ لكنّه لم يتمّ تنفيذ أيٍّ من توصياتها.

فحسب المعطيات الرسمية، فإنّ المسلمين في وضعٍ يساوي وأحياناً أسوأ من مستوى الطبقات الهندوسية الدنيا والمنبوذين ("الداليت"). ويتجلّى هذا البؤس فادحاً في مدن الصفيح المسلمة في غوليبار، شرق بومباي؛ حيث يعيش السكان في منازلٍ مرتجلة صغيرة جدّاً لا يمكن الصعود إلى الطابق الأول فيها إلا بواسطة سلّمٍ صغير. مع ذلك، نجد فيها جمعيات مستأجرين، ومشافيَ بسيطة تقدّم بعض اللقاحات (بما فيها ضدّ التيفوئيد و التهاب الكبد من فئة ب hepatite B)، ويمكن حتّى متابعة دروسٍ باللغة الانجليزية في الشارع (في صفوفٍ تفصل بين الرجال والنساء). ويبدو السكان فيها مضيافين، بعكس منطقة "ماهيم وست"، الأبعد قليلاً، في محيط معبد "بابا مخدوم". هنا يبدو الفقر حالةً ثابتة والشباب مكتئبين. ومع أنّه لا يمكن اعتبار هذا الحي من مدن الصفيح، إلا أنّه يبدو أكثر قذارةً من غوليبار.

أيضاً حسب ما توصّلت إليه لجنة ساشار، فإنّ السكان المسلمين هم الأقل تعلّماً. فرُبع من هُم ما بين 6-14 عاماً لم يدخِلوا مدرسة قط أو أنّهم تركوها. ونسبة المتعلّمين في الطائفة هي 59 في المئة (مقابل 65 في المئة على المستوى الوطني العام). والمسلمون، الذين يتواجدون فقط بنسبة 4 في المئة في الجامعات الجيّدة، لا يتولّون سوى 5 في المئة من الوظائف الحكومية.

كثيرون منهم يمارسون أعمالاً حرفية (بينما الهندوس هم في الأحرى تجّار)؛ إلا أن نظام العولمة قد أضرّ غالباً بأعمالهم. وإذا ما نجحوا في ارتقاء السلّم الاجتماعي، فذلك غالباً بفضل "المواهب" الخاصّة مثل السيّد يوسف باتان، لاعب الكريكت في المنتخب الوطني وهو ابن رجل دين، او الآنسة سانيا ميرزا أيضاً، لاعبة التنس الهندية الوحيدة التي تشارك في بطولات "الغران شليم". ومع ذلك فحتّى الممثّلة الواسعة الشهرة شابانا عزمي، المناضلة من أجل حقوق السكن، قد قوبل طلبها بالرفض عندما أرادت أن تشتري منزلاً من اختيارها في أحد أحياء بومباي.

لكن ما تؤكّده السيدة هوميرا أحمد، مديرة خدمات البريد في المدينة، وهي مسلمة تنتقِد بالأحرى أبناء طائفتها: هو أنّها تجد الهندوس متسامِحين، بينما المسلمون إقصائيين، "ليس فقط ضمن ديانتهم بل أيضاً في نمط حياتهم". لكنّها لا تنكُر أن هؤلاء المسلمين يعانون من التمييز: "اليوم لم يعُد بإمكاني الانتقال للعيش في المبنى الذي عشت فيه على مدى خمسة وعشرين عاماً والذي يملكه هندوس. لكن وضعي الاجتماعي، وكوني أعيش في مدينة كوزموبوليتية متعدّدة الانتماءات، يسمحان لي بالتحرّر من "الخانة" الطائفية".

وتختصِر شوما شودهوري، الصحافية الهندوسية في نيودلهي، المشكلة بشكلٍ شامل: "لطالما عاشت طوائفنا في غيتوهات، لكنّها بقيت تتلاقى في مختلف مجالات الحياة العامّة. إذ يتاجر الناس فيما بينهم. هُم يعيشون منفصلين، لكن جنباً إلى جنب. ولكنّ هذا التوازن يبدو اليوم مهدّداً". ووضع عائلة "صدّيقي" خير مثالٍ على هذه التطوّرات. فهي تقيم في الحيّ المسلم الأكثر شهرةً في نيودلهي، حي "جامعة ناغار"، والذي تجتمع فيه كلّ الطبقات الاجتماعية. فما كان قديماً مجرّد قريةٍ صغيرة، تطوّر بعد افتتاح "الجامعة الملّية الإسلاميّة" الشهيرة في ثلاثينات القرن الماضي. وبالقرب من الفيلاّت الجميلة، ذات الطابع الاستعماري مع حدائقها، ومباني الشقق الفخمة، تنتشِر شبكةٌ من الأزقّة القذِرة التي تأوي عدداً كبيراً من السكان المحرومين. وكثيراً ما أحسّ السيد عبيد صدّيقي نفسه مرتاحاً هنا؛ لكن الأمر أصبح أكثر تعقيداً: إذ أنّ زوجته متديّنة تنتمي لطائفة السيخ، وابنتهما تربّى وفق مبادئ هذه الطائفة.

هكذا اضطرّت العائلة، ولو أنّها تتحمّل ساعتين مواصلات في زحمة السير ودرجة تلوّثٍ عالية، للانتقال للإقامة في مدينة تابعة حيث من الممكن ألاّ تلفت الانتباه. ويوضّح أفرادها: "لدينا سائق وقد تعوّدنا سلوك الطريق يومياً". ففي فايشالي، القريبة من "غازي آباد" على بعد بضعة كيلومترات من الحدود مع "اوتار براديش"، هناك الكثير من مطاعم "البيتزا هات" و"الماكدونالدز"، وتكتظّ المدينة في عيد "الديوالي" (رأس السنة الهندوسية)، بالمتبضّعين وهي مكلّلة بالأزهار والأنوار والموسيقى. حتّى ولو كان الناس يفكّرون مرّتين قبل أن يذهبوا هناك للقيام بمشترياتهم؛ إذ ما تزال ماثلة في الأذهان صورة الاعتداءات التي عصفت بالبلاد على مدى العام 2008. يبدو مبنى آل صدّيقي، المحميّ وراء الحواجز، فخماً، (بالرغم من أنّه لا يمكن الوثوق كثيراً بالمصعد الكهربائي)، وفيه بركة سباحة وقاعة رياضة. ولا توجد فيه سوى أسرتين مسلمتين فقط من أصل خمس وسبعين عائلة.

كيف يمكن تفسير حالة الاستياء الراهنة؟ بالتأكيد هناك أحقادٌ دفينة مترسّبة عند الذين عاشوا في العام 1947 صدمة التقسيم والاستقلال وترحيل شعوبٍ بأكملها [8]. فمنذ عشرينات القرن الماضي وصعود نجم حزب "راشتريا سواياماسيفاك سانغ" - RSS، بدأ اليمين الهندوسي يروّج لمفهوم الراشترا (الأمّة) الهندوسية التي انقطعت مسيرتها المجيدة في ظلّ حكم المغول. لكن ابتداءً من ثمانينات القرن الماضي بدأت السياسة القومية للحزب الوطني الهندوسي BJP وحلفائه القيام بتهميش الطائفة المسلمة. ولا أحد يجهل أن الجالية الهندية المغترِبة، في الولايات المتحدة وغيرها، قد ساهمت بسخاء في الترويج لهذه الأهداف.

وبحسب الصحافية شودهوري، فإنّ "الناس يرون في الانفصال بين الهندوس والمسلمين خطّ تصدعٍ حضاريّ. ولفترةٍ من الزمن استطاع الآباء المؤسّسون (ومنهم موهانداس كرمشاند غاندي وجواهر لآل نهرو) استيعاب ذلك باعتماد لغةٍ نبيلة بليغة حول الديموقراطية". إلا أن السنوات الخمس والثلاثين التي أعقبت الاستقلال لم تشهد إلا "فصولاً من العنف". والمثال الصارخ هو اغتيال المهاتما غاندي في 30 كانون الثاني/يناير عام 1948 على يد متطرّفٍ هندوسيّ، أو أيضاً اغتيال انديرا غاندي في 31 تشرين الأوّل/أكتوبر عام 1984 على يد اثنين من حراسها من السيخ. ثمّ جاء اليمين الهندوسيّ في ثمانينات القرن الماضي "ليكتسب شيئاً من المجد، في وقتٍ كان حزب المؤتمر (الحاكم آنذاك) يفقد قوّته. وقد جاء تدمير جامع "بابري" في أيوديا عام 1992 ليشكّل صدمةً للسكّان، ويولّد موجةً من أعمال العنف في أرجاء الهند [9]. وبعد عشر سنوات انفجرت الاضطرابات في غوجارات. وقد عزّز المخاوف النزاع القائم في كشمير؛ فقد اتّهم الحزب الوطني الهندوسي BJP المسلِمين بالاصطفاف إلى جانب باكستان. وهذا ما أخذت به الهند بأكملها".

وقد انطبعت في الذاكرة أحداث العام 2002، بعد أن سقط فيها حوالى ألفَيْ قتيل [10]. إذ تمّ تنظيم أعمال العنف هذه تنظيماً دقيقاً من قبل القوميين الهندوس، وصولاً إلى أعلى سلطة في الدولة - وخصوصاً رئيس وزراء غوجارات، السيّد "نارندرا مودي" الذي ما يزال في السلطة - مع تواطؤ جهاز الشرطة. وقد أثبتت تقارير عدّة أن مطاردة المسلمين هذه قد تم إعداداها مسبقاً. كما أنّ مرتكبي أعمال العنف لم يلقوا أيّ عقاب؛ ليس هذا فحسب، بل إنّ عائلات عديدة لم تحصل حتى الآن على الأذن بالعودة إلى منازلها. وتؤكّد السيدة صوفي خان، مؤسسة المنظمة غير الحكومية "سفر"، أنّه حتّى اليوم، فقط فيما يخصّ النساء، يمكن إحصاء مائة وخمسين ألف امرأة مهجّرة، وذلك بفعل سياسة التمييز التي تنتهجها الشرطة.

تشهد مدينة "أحمد أباد"، بسكّانها الأربعة ملايين ونصف (بحسب إحصاء العام 2001) فورةً اقتصادية. لكن الهندوس والمسلمين يجدون صعوبةً في التعايش فيها. إذ يتجمّع المسلمون في أحياءٍ خاصّة بهم، مثل حي جوهابورا غرب المدينة، والذي أصبح غيتو يتّسع لحوالى ثلاثمائة وخمسين ألف شخص، من الفقراء، أو من الفقراء المعدمين لأغلبهم.

وباتت هناك خشية من أن تعمّ حالة الانفصام بين الطوائف البلاد بأكملها. وبالطبع، يُبرِز الحزب الوطني الهندوسي BJP مفهوم "الهندوسية المعتدلة" (soft hindutva) في مواجهة الحركة المتطرّفة RSS المنتمية إلى تيّاره؛ ممّا سمح له بتحقيق اختراقِ شعبيّ. ولكن، تتابع شودهوري، أنّه في الواقع "لقد أشاع زعماء هذا الحزب تدريجياً أجواءً من الخوف؛ وتأتي المشكلة من الطبقات المتوسّطة الهندوسية ومن المثقّفين، كلنا نتكلّم لكن لا أحد منّا يشارك في الانتخابات". ففي الحقيقة، إن الفقراء في الهند هم الذي يذهبون للاقتراع بكثافة، فيما تبقى الطبقات العليا غير مبالية.

لمن سيصوّتون؟

ولتبرير كراهيته تجاه المسلمين، يحرّف الحزب الوطني الهندوسي BJP التاريخ، "متناسياً" أنّ التجّار العرب كانوا قد وصلوا سواحل"مالابار" (في كيرالا) في القرن السابع؛ وأنّ الإسلام قد تجذّر في الهند بهذه الطريقة. وقد جمعت أماكن الحجّ الصوفيّة القديسين والمعابد، مشكّلةً بذلك المزيج الثقافي الدينيّ الثريّ الخاص بالهند الذي يستمرّ حتى يومنا هذا. هكذا هو الأمر في "مهراولي"، في جنوب دلهي، حيث ضريح "حضرة خواجا قطب الدين بختيار" المزيّن بأكاليل الزهر الأصفر كما دائماً في فترات الأعياد. السيد دهاسامويف فيرما، وهو هندوسيٌّ عجوز متحدّر من الطبقات المتوسّطة، يعرف المكان جيّداً: فهو كان يؤمّه كل نهار على مدى خمسة وعشرين عاماً، وبات يزوره الآن أربع مرّات في الأسبوع. وبحسب أقواله، أنّ بعض الفقراء المتجمّعين حول الضريح كانوا على الدوام مسلمين "بشكلٍ أو بآخر"...

خارج الضريح، يجلس رجالٌ يعتمرون قبعات صوفية تقليدية أرضاً، ويترنّمون بالـ"قوالي" (ترانيم دينية) الساحرة، يرافقهم في ذلك قارعو الطبلة والدولاك (نوع من الطبول). الجو مشبعٌ برائحة البخور. ولدى خروجنا، أكّد لي الملاّ أن كلّ فقراء "مهراولي"، أيّاً تكن ديانتهم، يحضرون إلى المكان للحصول على الطعام. كما أنّه فضّ نزاعاً طرأ بين رجلين كانا يختلفان على إيرادات حراسة الأحذية التي ينزعها الحجّاج عند المدخل كما هو العرف.

على بعد مئات الكيلومترات من هناك، تقع دارافي، التي تؤي كبرى مدن الصفيح في بومباي (بل يقول البعض في آسيا برمّتها): مليون نسمة على الأقلّ. في بعض هذه أحيائها، يعيش المسلمون جنباً إلى جنب مع الهندوس. وداخل هذه "المدينة" المستقلّة المؤلّفة من ممرّات على شكلٍ متاهات ومن دكاكينٍ صغيرة، يملك أشخاص من ديانات مختلفة شركات حرفية صغيرة ويعملون فيها. لكن هذا لم يمنع وقوع الأحداث الدموية في العام 1993 [11]. ولكن منذ ذلك الحين يبدو أن التفاهم قد ساد مجدّاً. وفي كيرالا أيضاً تتعايش الطائفتان من دون أيّ مشكلةٍ ظاهرة.

اليوم، يسعى بعض المسلمين للتأثير على مجريات الأحداث في البلاد. فقبل أشهرٍ من الاستحقاقات الانتخابية الوطنية، بدؤوا يعيدون النظر في خياراتهم. فإذا كان حزب المؤتمر قد أخلّ بتعهداته، فهل يتعيّن عليهم أن يعقِدوا تحالفات جديدة مع الأحزاب المحلّية؟ وتتواجد أحزاب إسلامية إقليمية في كيرالا وفي جامو وكشمير، وكذلك في أندرا براديش، حيث تتولّى الحكم في حيدرآباد، عاصمة الإقليم (40 في المئة من سكانه مسلمون). وقد تحالفوا في أوتار براديش مع حزب المنبوذين وحقّقوا نجاحاً. فهل يذهبون أبعد من ذلك؟
 

[1] Muslims for Secular Democracy, www.mfsd.org

[2] بالنسبة لاعتداء ماليغاوون، تقع الشبهة على بعض المتطرّفين الهندوس ومن بينهم شخص من السادهو وامرأة من السادفي (وهم يرفضون العيش في هذا العالم)، إضافة إلى كولونيل من أجهزة المخابرات الهندية وأحد المتقاعدين من الجيش.

[3] تتوفّر بعض المقتطفات منه على موقع:www.mfsd.org/fatwaenglish.htm

[4] اقرأ: William Dalrymple The Last Mughal, Bloomsbury, Londres et New York, 2006 ووليم دارلامبيل: "ثورة السباهية قبل مئة وخمسين عاماً، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، آب/أغسطس 2007، http://www.mondiploar.com/article.p...

[5] وضع البريطانيون هذا القانون الشخصي وقد تمّ تأكيده في العام 1947.

[6] وهي الفرع الهندي للحركة الإسلامية الراديكالية التي أسّسها في باكستان أبو الأعلى المودودي، في 26 آب/أغسطس في العام 1941، والتي لا تضمّ إلا خمسة وعشرين ألف منتسب في كلّ البلاد.

[7] Social, Economic and Educational Status of the Muslims of India, gouvernement de l’Inde, November 2006.

[8] لقد أدّى تقسيم البلاد التي كان يحتلّها البريطانيون بين الهند وباكستان في 15 آب/أغسطس 1947 إلى نزوحٍ كبيرٍ للسكّان. فقد عبر 15 مليون شخص الحدود بالاتجاهين كما قتل ثلاثة ملايين. أقرأ: Kuldip Nayar et Asif Noorani, Tales of Two Cities, Roli Books, New Delhi, 2008; et Salman Rushdie, Les Enfants de minuit, Livre de poche, Paris, 1989.

[9] تمّ منع حزب RSS بعد اغتيال المهاتما غاندي من قبل أحد أعضائه.

[10] لقد هدم مسجد "أيوديا" في 6/12/1992 على يد بعض القوميين الهندوس، الذين كانوا يريدون بناء هيكلٍ مكانه تخليداً لمكان ولادة الملك الهندوسي "رام". وقد فجّرت عملية الهدم هذه موجة من أعمال العنف لا سابق لها بين مختلف الطوائف.

[11] بحسب تقديرات بعض المنظمات غير الحكومية مثل:Citizens for Justice and Peace www.cjponline.org.

 

 
 

Users' Comments (0)

لا توجد تعليقات

أضف تعليق



mXcomment 1.0.9 © 2007-2010 - visualclinic.fr
License Creative Commons - Some rights reserved
الاربعاء, 10 فبراير / شباط 2010 16:33