|
منذ فترة تابعنا في التلفزيون مسيرة ضد الفساد ، مسيرة ككل المسيرات الرسمية ، مليئة بمحترفي النفاق ، و لكن الأمر الغريب و الساخر أن من المتصدرين للمسيرة شخص جرده الجنرال من منصبه و اتهمه على رؤوس الأشهاد في مؤتمر صحفي بالفساد.
عندما شاهدت المنظر الغريب و المضحك تذكرت مقولة من التراث الشعبي تناقلتها الأجيال رغم ان قصتها ظلت مجهولة لدى الكثيرين. يحكى أن لصا شهيرا من وسط البلاد ضاقت به السبل في أرضه بسبب شهرته بالسرقة و المسارعة باتهامه في كل حادثة، فسافر إلى منطقة إينشيري يبحث عن رزق ، متنقلا بين مضارب القبائل مدعيا أنه رجل من أعيان الزوايا. بعد أسابيع من البحث و الاستقصاء عثر على جمل أبيض اللون طويل القامة جميل الهيئة ، من سلالة "أمينق" الفاخرة ، فقرر أن ينزل ضيفا على ملاك الجمل ، مدعيا أنه عابر سبيل متجه إلى آدرار لزيارة ولي صالح. كعادة أهل المنطقة أكرمت الأسرة ضيفها الذي قضى وقته في التمتع بما لذ و طاب من اللحوم و الألبان ومراقبة الجمل و الأسرة و التخطيط للسرقة. مع طلوع فجر اليوم الثالث هبت عاصفة شديدة كفيلة بإخفاء كل أثر ، أثناء العاصفة سارع "شملولة" إلى سرقة الجمل حاثا المسير نحو الشرق إلى ما بعد منتصف الليل،حيث غلبه التعب و اطمأن إلى تجاوزه الخطر، فقرر التوقف و المبيت و مواصلة المسير في الصباح الباكر. مع طلوع الفجر أفاق على أصوات الرجال الذين سرق جملهم وهم يضعون بنادقهم في رأسه ، لقد أضلته العاصفة و أرض إينشيري المتشابهة فدار دورة كبيرة وبات قرب مكان انطلاقه. عندما فهم حقيقة الأمر قال كلمة واحدة : "ذاك النسخ ". من ذلك اليوم دخلت العبارة في اللهجة الحسانية، حاملة معنى يعبر عن طيف من الدلالات ، كضياع الجهد و سخافة الموقف الممزوجة بالدهشة و الذهول. هذه العبارة هي أفضل تعليق على العبثية التي نشاهدها كل يوم وخاصة على المشهد الذي تابعناه عبر التلفزيون، المشهد الذي يخرج فيه متهم بالفساد ، في مسيرة ضد الفساد ، ليعبر عن رفضه للفساد ، و يستمع لخطاب ضد الفساد ، من الجنرال الذي وصفه علنا بالفساد ، وجرده من منصبه بحجة الفساد ، المنصب الذي عينه فيه رغم شهرته بالفساد.
|