|
لم يخيّب البرلمان الموريتاني الظن بمصادقته على القانون المسمى بقانون الإرهاب ، فلم يتوقع أي عارف بتاريخ البلد رفض البرلمان أي قانون مقترح من الحكومة ، مهما كانت أضراره البالغة على الحريات أو المصلحة العامة.
تاريخ منتخبينا مليء بالسوابق الفريدة من نوعها ، ففي الستينات كان النواب يوقعون استقالاتهم بدون تاريخ ، ليستعملها الرئيس وقتما شاء ، وفي برلمان التسعينات شاهدنا نواب الأغلبية آن ذاك يقفون عند دخول الوزراء ، كما تابعنا في نفس الفترة تصويت الأغلبية لقانون يسحب جل الصلاحيات التشريعية للبرلمان لصالح وزارة الداخلية ، القانون الذي رفضه المجلس الدستوري ـ رغم ولائه للنظام ـ بسبب خرقه الفاضح لنص الدستور. كما تابعنا في العقد السابق كيف صوت النواب لرفع الحصانة و الطرد بأغلبية الأصوات لزميلهم النائب إسماعيل ولد أعمر لإغضابه رئيس الجمهورية. أما برلماننا الحالي فقد أتحفنا منذ أسابيع بتصويت الأغلبية ضد رفع الضرائب على السجائر، تزلفا و تملقا لرجال أعمال مقربين من الجنرال ، رغم أن السجائر أكبر مسبب لأمراض السرطان والجهاز التنفسي في موريتانيا و أول مصدر من مصادر تمويل الإرهاب و الجريمة المنظمة في الصحراء الكبرى. في جل دول العالم تنقسم القوانين بنسب متقاربة إلى قوانين مقترحة من البرلمان و قوانين مقترحة من الحكومة، أما برلماننا بغرفتيه فلم يصادق على قانون مقترح من طرفه ـ طيلة تاريخه الحديث ـ إلا في حالتين، أولهما قانون العفو عن الجرائم المقترفة بحق الزنوج الموريتانيين، وثانيهما قانون إعفاء سيارات البرلمانيين في الغرفتين من الجمارك!! تنقسم الأغلبية البرلمانية إلى نوعين أولهما الذي يركز في مداخلاته على الترحيب بالسيد الوزير ، و تمجيد القيادة الرشيدة، و التصديق السريع على القوانين ، مع المحاولة قدر الإمكان تجنب التجريح و المبالغة في التهجم على المعارضة ، هدفهم الأسمى الحصول على اكبر قدر من المنافع الشخصية و التجنب قدر المستطاع خلق العداوات ، مفضلين ستر عيوبهم و حصر ابتذالهم في الأماكن المغلقة كمكاتب الوزراء و صالونات المتنفذين. أما النوع الثاني فهو إما القادم من صفوف المعارضة ، أو الذي شق عصى طاعة العسكر ولو ليوم واحد ، هؤلاء هم الأشد سوءا و احترافا للتجريح و التهريج ، سواء في الأماكن المغلقة أو شاشات التلفاز. هذا النوع يدخل في دائرة مفرغة ، فبعد تخليه عن مبادئه يستخف به الحاكم و يحجم عن مكافئته ، بل غالبا ما يعرض عن مجرد لقائه ، فهو أعطى كل ما يملك و أحرق كل جسور العودة و تورط في الفضيحة و استنفذ كل ما في جعبته ، كما أن سوق تجار الضمائر تعاني من زيادة رهيبة في العرض. مقابل هذا الصدود يلجأ هذا الصنف للتحقير بنفسه وحتى بأصله و فصله وسمعة أسرته ، بالتزلف و سكب ماء الوجه و المبالغة في النفاق للسلطة و الأذية للمعارضة ، محاولا بذلك الهروب من مصيره المحتوم ، مصير ورق الحمام المستخدم. إنها قلة الخبرة السياسية ممزوجة بالكثير من الهشاشة الأخلاقية ، فهنالك طرق أكثر رقيا لبيع النفس كالطريقة التي يتبعها البعض ، فيترك قدما في المعارضة و يضع قدما في الموالاة ، فإذا حصل على الثمن الذي يرضيه وضع الرجلين في خانة الموالاة ، و إن لم يحصل على مبتغاه عاد لقواعده في المعارضة، ليلجأ لبيع المبادئ بالتقسيط ، دون التخلي عن كل شيء دفعة واحدة. لا عجب أن تصادق أغلبية من هذا النوع على قانون الإرهاب ، ولا عجب أن يلقى بعضهم محاضرات مخزية ، محشورة بالآي و الحديث في محاولة مضحكة مبكية لتمجيد التجسس و التصنت و اقتحام حرمات المنازل ، لا غرو أن يصوتوا بدون تردد لهذا لقانون الذي لا يعطي أي تعريف للإرهاب ، ليترك التعريف للحاكم يؤوله كما يشاء حسب رغبته و أهوائه ، القانون الذي يمكن من سجن أي شخص مدة أربع سنوات بدون محاكمة ، القانون الذي يبيح مصادرة الأموال بدون تقديم أي دليل، القانون الذي يبيح إعدام الأطفال. صدق من سمى نواب وشيوخ الأغلبية بالكتيبة البرلمانية ، فهم بحق أكثر الكتائب انضباطا ، ميزتهم عن بقية العسكر المبالغة في تطبيق الأوامر بل التطوع بأشياء غير مطلوبة منهم ، بطريقة مبتذلة ، مع البحث عن تبرير الأوامر والنفاق بصوت عال عبر الأثير ، في حين أن بقية الكتائب تنفذ الأوامر بدون زيادة وبصمت وأحيانا كثيرة بألم و خجل و حسرة.
|